استمرار الحصار على اليمن.. مؤامرة سعودية لفرض العقاب الجماعي على اليمنيين وانتهاك للحقوق المكفولة
الصمود||تقرير||يحيى جار الله
موقف غريب وتناقض عجيب أبدته السعودية بعد إعلان القوات المسلحة اليمنية عن سريان قرار حظر الملاحة أمام السفن السعودية، بمحاولة تبرئة نفسها من الحصار الذي تفرضه على الشعب اليمني منذ عام 2015م وهي التي استهلت عدوانها بقصف المطارات والموانئ اليمنية.
فما الذي يدفع النظام السعودي اليوم لتبنى هذه السردية والرواية السخيفة، والمثيرة للسخرية، وهو الذي أعلن العدوان والحصار على اليمن في الـ 26 من مارس 2015م عبر وزير خارجيته في حينه، على مرأى ومسمع العالم، وتبجح عبر ناطقه العسكري بأنه سيطر على المجال الجوي اليمني وكل المنافذ الجوية والبحرية للبلد.
فعلى مستوى الحصار الجوي أعلن ناطق العدو السعودي في التاسع من شهر أغسطس 2016م، فرض حظر على المجال الجوي لليمن، وإغلاق مطار صنعاء الدولي أمام كافة الرحلات بما فيها التجارية والإنسانية، وإيقاف ما يقدمه من خدمات لنحو 80 بالمائة من سكان اليمن ممن يقطنون العاصمة صنعاء والمحافظات الشمالية.
لم يذكر العدو حينها أي أسباب قانونية أو مبررات لقراره الظالم الذي شمل مطار صنعاء الدولي ومطارات يمنية أخرى سوى الحقد والإصرار على فرض العقاب الجماعي على الشعب اليمني وتضييق الخناق عليه، وخطوة تعكس ذروة الفجور في الخصومة لفرض سياسة الإركاع والعقاب الجماعي بحق الشعب اليمني عبر حرمانه من حقه الإنساني المكفول في التنقل والسفر الآمن.
زعم متحدث العدوان يومها أن هذا الإغلاق سيستمر لمدة 72 ساعة قابلة للتمديد غير أن التمديد استمر بعد ذلك حتى اليوم، وترتب عليه حبس ملايين اليمنيين في مناطق تتعرض يوميا لعشرات الغارات التي ظل يشنها الطيران الحربي السعودي بإسناد أمريكي غربي، متسببا في قتل وإصابة آلاف المدنيين بالتزامن مع استهدافه للمنشآت الطبية ومنع دخول الأدوية، مما ضاعف المعاناة الإنسانية للمواطنين.
شكل إغلاق خطوة تعسفية وإجراء خطيرا لتشديد الحصار على الشعب اليمني وتزامن مع تصعيد عسكري للطيران السعودي بعد أن كان المطار يعمل جزئياً برحلات محدودة بين صنعاء والأردن والقاهرة، خلال الأشهر الأولى من العدوان، وكانت الرحلات التجارية في الغالب تخضع للتفتيش في أحد المطارات السعودية، قبل أن يستثني العدو في وقت لاحق الرحلات الخاصة بطائرات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة.
لم يكن الحصار الجوي سوى مؤامرة سعودية مكشوفة للحيلولة دون عودة الكثير من اليمنيين في الخارج، والحكم بالموت على جميع المرضى الذين تتطلب حالاتهم السفر للعلاج في الخارج، وكذا سلب اليمنيين كل حقوقهم المكفولة في السفر والتنقل والعلاج وغيرها من الحقوق.
ظلت المطارات منذ ذلك الوقت مغلقة دون أي أسباب واقعية سوى أن السعودي اتخذ منها وسيلة حرب وعقاب جماعي لحرمان أكثر من عشرين مواطن يمني من خدماتها خصوصا مطار صنعاء الدولي باعتباره المنفذ الجوي الرئيسي لثلثي سكان اليمن.
إذ لم يكن هناك أي مبرر لهذا الإغلاق التعسفي، خصوصا وأن الرحلات من وإلى صنعاء كانت تخضع للرقابة من العدو السعودي، غير أنه سعى من خلال هذه الخطوة لإلحاق أكبر الأذى بالمواطن اليمني ليكشف بذلك عن مدى عجرفته وما يكنه من حقد على شعب اليمن الحر.
حينها فهم أبناء الشعب اليمني المغزى من هذه الإجراءات التعسفية التي مورست عليهم من قبل النظام السعودي والتي لم تكن سوى من أجل الانتقام منهم وفرض العقاب الجماعي على كل اليمنيين الذين رفضوا إملاءات العدوان ورفضوا الخضوع له والانخراط في صفوف مرتزقته الذين سلطهم لتدمير اليمن.
أما الذرائع التي ساقها العدو السعودي يومها لفرض الحصار والتي يحاول اليوم التنصل عن مسؤوليتها، فلم تكن منطقية أو تبرر ما أقدم عليه من حرمان ملايين اليمنيين من حقوقهم المشروعة والمكفولة في السفر والحصول على العلاج في الخارج خصوصا بعد انهيار القطاع الصحي في اليمن جراء استهداف الطيران السعودي لغالبية منشآته، وتوقف الكثير منها عن العمل منذ بدء عملياته الجوية عام 2015م، وما رافقها من حصار مشدد على المنافذ البرية والبحرية وحظر استيراد الأدوية والمحاليل الطبية وغيرها من المستلزمات.
أدى إغلاق المجال الجوي إلى وفاة أعداد كبيرة من اليمنيين، الذين كانوا بحاجة إلى العلاج في الخارج جراء حالاتهم الحرجة واحتياجهم لعناية طبية دولية، إلا أن النظام السعودي حرمهم من الخروج أو العودة إلى اليمن، ليضيف بذلك معاناة كبيرة لم يكن لها أي مبررات على الملايين من اليمنيين.
وعلى إثر ذلك أجبر آلاف المرضى على تكبد مشقة السفر الطويل للوصول إلى مطار عدن، بعد رحلة محفوفة بالمخاطر والإجراءات المعقدة والتأخير والابتزاز والخسائر المرتفعة وغيرها من الممارسات اللاإنسانية التي تفرضها نقاط التفتيش المنتشرة على امتداد الطريق والتي تديرها مليشيات مسلحة تابعة للعدو السعودي تقوم بنهب وقتل المسافرين.
فيما فضل عشرات الآلاف من المرضى البقاء في منازلهم بانتظار الموت بدلا من المجازفة بحياتهم، خصوصا وأن حالتهم الصحية تجعلهم غير قادرين على تحمل مشقة السفر الطويل إلى مطار عدن، كما لا يستطيعون دفع تكاليفها المرتفعة.
ونظرا للدور الحيوي الذي يضطلع به مطار صنعاء الدولي في إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية المنفذة للحياة، فقد أدى إغلاقه إلى توقف دخول الأدوية والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة خصوصا المرتبطة بعمليات زراعة الكلى وعلاج الأورام وجراحة القلب المفتوح وأدوية السرطان والأمراض المزمنة، التي يعتمد عليها المرضى بشكل مستمر.
وعليه فإن استمرار الحصار يخلف آثارا صحية وإنسانية خطيرة أبرزها تأخير كثير من العمليات الجراحية الحرجة ما يهدد حياة الكثير من المرضى ويزيد احتمالات الوفاة، كما يواجه مرضى الأورام صعوبة في الحصول على البروتوكولات العلاجية غير المتوفرة في الداخل مثل العلاج المناعي والموجه والمسح الذري، إلى جانب المعاناة النفسية التي يعيشها المرضى وأسرهم تحت وطأة الخوف من تدهور الحالة الصحية.
وإلى جانب ذلك تسبب إغلاق مطار صنعاء في نقص كبير لأدوية الأمراض المزمنة مثل الأنسولين وأدوية القلب والفشل الكلوي والربو ما أدى لحدوث الكثير من الوفيات، في حين أن العلاج الكيماوي والموجه يحتاج أثناء نقله إلى سلسلة تبريد لا تتأتى إلا عبر مطار صنعاء الدولي وبالتالي أدى الحصار وإغلاق المطار إلى تقليص تلك الأدوية بنسبة تترواح بين 40 إلى 60 بالمائة، وخصوصا الأدوية الخاصة بأمراض السرطان.
وبحسب وزارة الصحة والبيئة فإن استمرار إغلاق المطار أدى إلى حرمان آلاف المرضى من الأدوية ومنها أدوية زارعي الكلى ومشتقات الدم والأدوية الهرمونية والمناعية وأدوية الإنعاش والتخدير، وغيرها، كما حرم مئات الآلاف من المرضى من السفر ممن يحتاجون لتلقي علاج متخصص غير متوفر محليأ مثل الأورام، وجراحة القلب.
ومنع العدو السعودي دخول كثير من الفرق الطبية التي أبدت استعدادها للدخول إلى اليمن لإجراء عمليات جراحة دقيقة خصوصا وأن نحو 90 بالمائة من المرضى لا يستطيعون السفر للعلاج نتيجة الظروف الاقتصادية والإجراءات التعسفية التي يتعرضون لها في المطارات الخاضعة لسيطرة أدوات العدوان.
ومن ضمن التداعيات الكارثية للحصار توقف عمل عدد من المصانع الدوائية المحلية بسبب منع دخول المواد الخام، والإجراءات التعسفية التي مورست من قبل السعودية ومرتزقتها بعدم انسيابية وسلاسة دخول الأدوية والمستلزمات الحيوية.
بدورها تحولت الأمراض المزمنة إلى أحكام بالإعدام للمرضى، حيث يوجد نحو ثمانية آلاف من مرضى الغسيل الكلوي يصارعون الموت نتيجة شحة الأدوية الخاصة بهم، في حين توفي خمسة آلاف منهم نتيجة الحصار وعدم إدخال محاليل الغسيل وأجهزة الاستصفاء الدموي، بينما الآلاف من مرضى السرطان يقاتلون المرض بسبب النقص الكبير في الأدوية الخاصة بهم، وانعدام 10 أصناف رئيسية منها.
فيما يواجه أكثر من 40 ألفا من مرضى الثلاسيميا وانحلال الدم الوراثي خطر الموت بسبب شحة الأدوية ومنع دخولها جوا ومنها أدوية سحب الحديد والمحاليل الخاصة بهم، حيث توفي منهم 684 حالة من بين ثمانية آلاف و430 يواصلون علاجهم في مركز الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا.
ونتيجة الحصار والإجراءات التعسفية تراجع استيراد الأدوية بنسبة 60 بالمائة، وتوقف أكثر من 83 مستوردا كانوا يوفرون نحو 1329 صنفا، وكذا نقص أدوية الهيموفليا وأمراض اللوكيميا بنسبة 30 بالمائة”.. مبينا أن 600 حالة من مرضى اللوكيميا تحت العلاج منها 200 حالة تحتاج للسفر إلى الخارج لزراعة نخاع العظم.
وتشير تقارير حديثة لوزارة الصحة والبيئة إلى أن عدد الحالات التي استعصى علاجها داخل الوطن خلال الفترة 2021- 2025م بلغت 8685 حالة، فيما بلغ عدد المرضى الذين هم بحاجة للسفر للعلاج منذ العام 2018م وحتى 2025م 77 ألفا و412 حالة، فضلا عن عجز 15 ألفا و482 حالة عن السفر للعلاج بسبب الوضع المادي، وكذا عجز 12 ألفا و251 عن السفر للعلاج بسبب إغلاق مطار صنعاء.
وخلال العام 2025م بلغ عدد المرضى الذين هم بحاجة للسفر للحصول على المسح الذري 1154، و117 يعانون من تشوهات خلقية قلبية، و65 بحاجة لزراعة القرنية، و109 حالات فشل كبدي تحتاج للسفر إلى الخارج.
وفي مقابل كل تلك المآسي والجرائم والأوجاع التي حلت بالشعب اليمني نتيجة الحصار السعودي، إلا أن الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية ظلت تغض الطرف عن معاناة مئات الآلاف من المرضى المهددين بالموت، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة التي طالت الملايين من اليمنيين في شتى مناحي الحياة نتيجة استمرار الحصار السعودي التعسفي.
وتصف الهيئات والمنظمات الحقوقية الحصار السعودي على اليمن بأنه جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفقا للقانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الجنائي ولكل التشريعات الإلهية، ويرقى بسبب ما حدث لأكثر من ثلاثين مليون إنسان إلى جريمة إبادة جماعية.
كما أن استمرار هذا الحصار الظالم على مدى 11 عاما يؤكد أن الأمم المتحدة بكل قوانينها أصبحت عاجزة على أن تؤدي واجبها، ولم يعد هناك مبرر لوجودها بعدما عجزت عن القيام بمسؤوليتها في الحفاظ على حق الإنسان في الحياة والتنقل، ولم تتخذ أي إجراء قانوني بحق مجرمي الحرب في تحالف العدوان السعودي رغم كل ما ارتكبوه من جرائم بحق الشعب اليمني.
وبشهادة الكثير من الحقوقيين فقد انتهكت السعودية بحصارها على اليمن القانون الدولي الإنساني نظرا لما تسببت به من أضرار بمصالح وأرواح المدنيين، مؤكدين أن إغلاق المنافذ اليمنية شكل خرقا للمادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تنص على أنه يحق لكل فرد حرية التنقل ومغادرة أيِ بلد، بما في ذلك بلده، وكذلك العودة إلى إليه.
كما انتهك الحصار السعودي المفروض على اليمن اتفاقية جنيف الرابعة، مادة (23)، والتي تشير إلى السماح بالمرور الحر لجميع شحنات المخازن الطبية والمستشفيات المخصصة للمدنيين وحرية مرور جميع شحنات المواد الغذائية الأساسية.