الصمود حتى النصر

خطورة التفريط وعوامل تجنبه.. من دروس عاشوراء

الصمود – بقلم| طلال محمد الغادر

إن الخطر الأشد فتكًا بالأمم إلى جانب أعداءها الخارجيين، هو آفة “التفريط” واللامبالاة التي تتغلغل في داخل بنيتها؛ ذلك الموقف السلبي الذي يبدأ بالتساهل مع الباطل وينتهي بالوقوف المباشر في صف البغي والعدوان.

وفي ضوء دروس عاشوراء التي قدمها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، تكشف كربلاء أنها نتيجة حتمية لتفريط متراكم وتخاذل مجتمعي وسياسي بدأ منذ وقت مبكر وتواصل تاريخيًّا حتى وصلت السيوف الباغية إلى رقبة سبط الرسول الإمام الحسين (عليه السلام).

 

جناية التفريط في إسقاط القدوات وتمكين المستكبرين

يمثل التفريط خطورة استراتيجية تفوق الجريمة المباشرة؛ كونه يصنع سلسلة متصلة من النكبات ويقلب الموازين النفسية والولائية للأُمَّـة؛ حَيثُ تحول أهل العراق الذين وعوا حججَ الإمام علي (عليه السلام) في مسجد الكوفة إلى جنود خرجوا لقتال الحسين نتيجةَ القعود وخيانة العلم والحق الذي عرفوه.

والأمة التي تستمرئ ثقافةَ التفريط تفقِد بالضرورة قادتَها وعظماءَها كالحسين وعلي والحسن وزيد، وُصُـولًا إلى الشهيد القائد والسيد حسن نصر الله والسيد علي خامنئي؛ إذ استُهدفوا بسياطِ التخاذل والبرود التي ألهت الناصر عن أداء واجبه المقدّس، مما فتح الباب لتمكين قوى الاستكبار العالمي (أمريكا وإسرائيل) لتعبث بالهُوية والثقافة وتجعلَ من بعض الحكام مُجَـرّد أذناب خانعين.

وتعودُ جذورُ هذه الآفة الفَتَّاكة إلى عواملَ مشخصة؛ يتصدَّرها عشقُ المنصِب والسلطة، والخوف المَرضي من “العصا الغليظة” للأعداء وتناسي التوجيه الإلهي “فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين”، وعقلية القعود الانتظارية القائمة على منطق “لن نؤمن حتى نرى”، ترافقُها حالةُ المزاجية وتبرير هذا التسويف بوعاء الجهل المسمى زورًا حكمة وسياسة، وهو المنطق الذي رفضه الإسلامُ وجسَّده الإمام علي بقوله “وما كنت متخذ المضلين عضدًا”.

 

العوامل الوقائية الإيمانية والتحصُّنُ بالروحية الجهادية

ولتجنب هذا المنزلق القاتل ونحن في ذروة المواجهة مع قوى الشر، تبرز عدة عوامل وقائية استراتيجية ومستدامة تتحَرّك في مسارات متكاملة فكريًّا، ونفسيًّا، واجتماعيًّا، وحركيًّا.

ويتصدر هذه العوامل استحضارُ قدسية المشروع القرآني كمنهج إنقاذي عملي، واستشعار عظمت التضحيات الجسيمة والوفاء لدماء الشهداء الأبرار وفي مقدمتهم الشهيد القائد والإمام الحسين؛ لكي نجسد النموذج القرآني المقاوم.

ويلي ذلك الاهتمام البالغ بالقرآن الكريم والملازم كمنهجية فكرية تمنح المؤمن البصيرة ليرى أمريكا مُجَـرّد قشة ضعيفة ويرى التضحية استثمارًا رابحًا مع الله، مع ضرورة محاربة المزاجية وتحويل الانتماء إلى التزام يومي يمنع الانزلاق والتراخي.

وينضاف إلى ذلك تجسيد مواصفات الجيل القرآني الواردة في آية المائدة (54) بكامل أبعادها من خلال التواضع والرحمة البينية لمنع التمزق الداخلي، وإبراز العزة أمام المستكبرين لكسر هيبة العدوّ، والجهاد الفعلي والمُستمرّ بالمال والنفس لدحر السكون، والتحرّر من الخوف الاجتماعي عبر ترسيخ ثقافة “لا يخافون لومة لائم”.

ويتوج هذا التحصُّنُ بالحفاظ المطلَق على الروحية الجهادية العالية والجهوزية الدائمة والتحَرّك الصادق نحو المرابطة والتدريب والتأهيل؛ لأن المستعدَّ المتيقظ ينتظر عدوَّه ويجابهُه.

بينما المفرط المتراخي يُفاجأ به في عُقر داره، يرافقُه ترسيخُ قيم الإحسان والتراحُم والتكافل في أوساط المجتمع لتعزيزِ التماسُك واللُّحمة الوطنية والاجتماعية وتحويل المجتمع إلى جسدٍ واحدٍ يقطع الطريق على كافة عوامل التسلل والنزاعات الداخلية الهامشية.

إن النجاةَ من التفريط تتطلَّبُ ثقافةً إيمانيةً وعمليةً مضادَّةً.

كربلاء علّمتنا أن الدماء الزكية تُراق عندما تغيب البصيرةَ ويُخاف من غير الله.

واليوم يثبت الأحرارُ في ميادين المواجهة والتحدي أنهم استوعبوا الدرسَ جيِّدًا وأن زمنَ التفريط قد ولَّى وانقضى إلى غير رجعة، مصداقًا لقوله تعالى “إن اللهَ لا يغيِّرُ ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم”.