الصمود حتى النصر

كربلاء اليمن حين ينهض الدم المظلوم ليكتب نهاية الطغاة

الصمود – بقلم| أحمد الضبيبي

في كُـلّ منعطفٍ تاريخيٍّ تتجدد فيه معركة الحق والباطل، يبرز الإمام الحسين بن علي عليهم السلام رمزًا خالدًا للثورة على الظلم، ومنارةً تهدي الأحرار في مواجهة الطغيان والاستكبار.

واقعةُ كربلاء كانت وما تزال مشروعًا إنسانيًّا خالدًا، ومنهجًا ثوريًّا متجدد، يرسم للأحرار دروب العزة والكرامة، ويحدّد بوضوح فاصلة الموقف بين معسكر الحق ومعسكر الباطل، وبين رايات التحرّر وأعلام الهيمنة والاستكبار.

ومن يتأمل خارطةَ الصراع في عصرنا الراهن يدرك أن الامتداد الحقيقي لمدرسة الإمام الحسين عليه السلام وأهل البيت الأطهار يتجلى اليوم في جبهات محور المقاومة التي تقف شامخةً في وجه المشروع الأمريكي الصهيوني، رافضةً الخضوع والإذعان، ومتمسكةً بحق الشعوب في الحرية والسيادة والاستقلال.

فحيثما كانت راية الإمام الحسين عليه السلام، كانت مواجهة الظلم، وحيثما ارتفع نداء “هيهات منا الذلة” كان الاصطفاف الطبيعي في وجه الطغيان العالمي وقوى الهيمنة والغطرسة.

وفي الضفة المقابلة، تبدو الصورة أكثر وضوحًا وبلاغة؛ إذ نجد أُولئك الذين ما زالوا يستحضرون رموز طغيان الدولة الأموية بوصفها نموذجًا سياسيًّا وفكريًّا، ويواصلون تمجيد طغيان وشر معاوية ويزيد وتبرير ممارساتهما، يقفون اليوم في الخندق ذاته الذي تقفُ فيه قوى الاستكبار العالمي رأس الشر أمريكا وكيان الاحتلال وحلفاؤها، في مشهد يعكس استمرار الصراع التاريخي بين نهج العدل والتحرّر ونهج الاستبداد والاستعلاء والطغيان.

وفي قلب هذا المشهد المتلاطم، يستحضر الشعب اليمني كربلاء الإمام الحسين عليه السلام وجعل منها استدعاءٌ لروح الثورة الحسينية المتقدة، واستنهاض لقيم الإباء والعزة والكرامة التي سقيت بدماء الشهداء على ثرى الطف.

وفي زمنٍ تتشابه فيه المواقف وتتكشف فيه وجوه الطغيان، يجد اليمنيون في كربلاء مرآةً صادقة لمعاناتهم، وصورةً جلية لكربلاء العصر التي عايشوها تحت أزيز الطائرات، ولهيب الغارات، وصخب المجازر، وأنين الضحايا العالقين تحت ركام المنازل والأحياء السكنية.

عقدٌ كاملٌ من العدوان والحصار الجائر مرّ على اليمن، وكأن الزمن أعاد إنتاج مأساة كربلاء بصور وأدوات جديدة، عشر سنوات تكالبت فيها قوى الاستكبار والهيمنة، واستنفرت ترسانات القتل والتدمير، وأمطرت الأرض اليمنية بوابل من النيران والخراب، سعيًا منها لسحقه وطمس هُويته، غير أن تلك القوى فوجئت بشعب استثنائي تعمّد بدماء الشهداء، وتربّى في مدرسة كربلاء الصبر والجهاد، وتحصن بإيمان راسخٍ لا تزعزعه المحن ولا تكسره العواصف.

لقد راهن المعتدون على الانهيار، فإذا باليمن يزدادُ صلابة، وراهنوا على الإخضاع، فإذا به يتحول إلى قلعةٍ عصية على الانكسار، وراهنوا على النسيان، فإذا بالذاكرة اليمنية تختزن كُـلّ قطرة دم، وكل دمعة أم، وكل صرخة طفل، لتتحول إلى قضية لا تسقط بالتقادم، وإلى حقّ مشروع في القصاص من المجرمين والقتلة وصنّاع المآسي.

واليوم يقف اليمن شامخًا كقلعة عصية على الانهيار، وقد تحولت ساحاته ووديانه وجباله إلى ميادين استنفار وعنفوان، وإلى جبهة وطنية موحدة تستلهم من كربلاء معاني الصمود والتضحية والفداء وقد باتت الروح الحسينية حاضرةً وواقفة على أعتاب مرحلة تاريخية فاصلة، تتجسد فيها إرادَة التحرير الشامل واستكمال معركة الخلاص الوطني، وتتعالى فيها بشائر الانعتاق، وتتسارع فيها خطى استعادة الأرض والسيادة، وتتجسد فيها تطلعات أبناء الوطن إلى اجتثاث بقايا مشاريع الهيمنة من جذورها، وإسقاط أوهام الوصاية إلى غير رجعة، وتطهير كُـلّ شبرٍ من تراب الوطن من آثار الاحتلال وأدواته.

فالتاريخ، في سننه الثابتة، لم يحفظ للطغاة والمجرمين مجدًا، فقد كان دومًا شاهدًا على سقوط إمبراطوريات البطش واندثار عروش الجبروت، وبقاء إرادَة الشعوب الحرة عصية على الفناء وما بين صليل السيوف وضجيج المعارك، ظل الحق يشق طريقه نحو النصر، وظلت الشعوب المؤمنة بقضاياها قادرةً على صناعة التحولات الكبرى مهما بلغت كلفة التضحيات.

إنها مرحلةٌ حسينيةٌ متجددة بكل ما تحمله الكلمة من دلالات، مرحلة يعاد فيها إنتاج معاني التضحية والفداء والصمود، وتبعث فيها قيم الثورة على الظلم من جديد، مرحلة تهتز لها معادلات الهيمنة، وتتصدع أمامها مشاريع الإخضاع؛ لأن الشعوبَ التي استلهمت من كربلاء ثقافة العزة لا يمكن أن تهزم، والأمم التي جعلت من الحسين قُدوة ومنهجًا لا يمكن أن تقبل الذل أَو ترضخ للطغيان.

وهكذا، تظلُّ كربلاء حاضرةً في وجدان اليمنيين، كحقيقةٍ متجددة تنبض في الميدان، وتبقى راية الأمام الحسين خفاقة فوق ميادين المواجهة، شاهدة على أن معركة الحق والباطل لم تنتهِ، وأن إرادَة الأحرار قادرة على كسر جبروت الطغاة مهما امتلكوا من قوة، وأن دماء المظلومين ستظل وقودًا للحرية حتى يتحقّق الوعد الإلهي.

فالتاريخ لم يكن يومًا حليفًا للطغاة والجبابرة، بل كان شاهدًا على أفولهم المحتوم، وبقاء قيم الحق والحرية راسخة في ضمير الأحرار.