“المبادرة الخليجية”.. المؤامرة الخفية للسيطرة على القرار اليمني
الصمود||تقرير||
لم تكن المبادرة الخليجية، التي وُقعت في الرياض 23 نوفمبر 2011، مجرد اتفاق سياسي عابر، بل شكلت نقطة تحول استراتيجية في تاريخ اليمن.. صُممت هذه المبادرة لإعادة هندسة المشهد اليمني بما يخدم مصالح إقليمية ودولية على حساب سيادة الدولة واستقلال القرار الوطني.
منذ لحظة التوقيع، بدأت رحلة تفكيك المؤسسات، وإضعاف القدرة الدفاعية، وتحويل السلطة إلى أدوات تنفيذية تحت إشراف سفراء الدول العشر، ما فتح الباب أمام مرحلة غير مسبوقة من التبعية والوصاية.
ما وراء الدعاية.. الالتفاف على الثورة
على الرغم من الدعاية التي رافقت المبادرة واعتُبرت “طوق نجاة” لحماية اليمن من الفوضى، فإن الواقع كان مختلفاً تماماً.. فقد صُممت المبادرة لسحب الزخم الشعبي من ميادين الثورة التي طالبت بإسقاط النظام عام 2011، وتحويل الفعل الثوري من ساحات الشارع إلى غرف الفنادق والمفاوضات المغلقة.
تم شراء الولاءات وصياغة المؤامرات بعيداً عن إرادة الشعب، وفرض نظام “محاصصة” عبر حكومة الوفاق، ومنحت الحصانة لرموز النظام السابق، ما أغلق أبواب العدالة وشرع بقاء الفساد تحت غطاء دولي.. هذا الوضع أثار غضب الشعب، وكان السبب الرئيسي لانفجار ثورة 21 سبتمبر 2014، كرد شعبي طبيعي لاستعادة القرار الوطني وكسر قيود الارتهان للسفارات.
“حكم السفراء”.. الوصاية الخارجية
كرّست المبادرة نهجاً جديداً من الاستعمار، حيث أصبح سفراء الدول العشر، وعلى رأسهم السفير الأمريكي الأسبق جيرالد فايرستاين، أصحاب القرار الفعلي في صنعاء.. تحوّل القرار السياسي والعسكري إلى أداة تنفيذية تحت إشراف خارجي، بعيداً عن إرادة مؤسسات الدولة.
وضعت المبادرة اليمن تحت “البند السابع” لمجلس الأمن، وحوّلت البلاد إلى “محمية دولية” تُدار بإملاءات مباشرة.. كما تدخل السفراء في التعيينات العسكرية والمدنية وصياغة جدول أعمال الحوار الوطني، محولين الحكومة إلى واجهة تنفيذية، وفرضوا سياسات الاستقطاب وإعادة توزيع السلطة بما يضمن السيطرة على القرار اليمني واستبعاد أي صوت وطني مستقل، مهدداً بذلك الوحدة الوطنية والمصالح الشعبية.
مشروع التفتيت.. الأقاليم الستة
لم يقتصر تأثير المبادرة على السياسة فقط، بل امتد إلى مشروع تقسيم اليمن إلى “أقاليم ستة”، والذي لم يكن تصوراً إدارياً فحسب، بل مخططاً استراتيجياً لتفكيك الدولة.. هدف المخطط خلق دويلات متناحرة يسهل السيطرة عليها، وعزل منابع النفط والغاز والموانئ الحيوية عن القرار المركزي.
أسفرت هذه السياسات عن تجزئة الهوية الوطنية وخلق انقسامات مجتمعية وسياسية، مما أضعف التماسك الداخلي وسهّل التدخل الخارجي.. وقد دفع هذا المخطط الشعب إلى الثورة ضد الارتهان، رافضين أي محاولة لتقسيم اليمن على أسس جغرافية أو سياسية.
“الهيكلة”.. نزع المخالب الدفاعية
أحد أخطر فصول المبادرة كان إعادة هيكلة الجيش، والتي لم تهدف للتحديث العسكري، بل لتفكيك القدرة القتالية للقوات المسلحة.. شملت الخطوة تدمير منظومات الدفاع الجوي تحت إشراف خبراء أجانب، لضمان بقاء الأجواء اليمنية مكشوفة لأي عدوان، واستهداف تماسك الوحدات النوعية واستبدال عقيدتها الوطنية بعقيدة ضعيفة، ما أضعف الردع وجعل الجيش يعتمد على التوجيه الخارجي بدلاً من حماية الوطن.
واجهت ثورة 21 سبتمبر هذا المخطط برفض كامل للارتهان، واستعادة الجيش لدوره الوطني في حماية السيادة والمصالح الوطنية.
النفاق الداخلي.. أدوات الوصاية
تزامنت الوصاية الخارجية مع ما يُعرف بـ”حركة النفاق”، وهي القوى التي ارتدت عباءة الوطنية ظاهراً، لكنها كانت مرتبطة بالخارج عملياً.. لعبت هذه القوى دور الأداة التنفيذية لمخططات التفكيك، من خلال تكريس الفوضى الأمنية، ورعاية الاغتيالات والتفجيرات، وتوفير الغطاء السياسي لسياسات الحصانة والإفلات من العقاب، كما جسّد قانون الحصانة لعام 2012.
كشفت الثورة حجم الاختراق الذي طال مفاصل الدولة، ومدى تغلغل أدوات الوصاية في مختلف القطاعات، ما أبرز الصراع بين الإرادة الوطنية والمشروع الخارجي.
الثورة الشعبية.. فضح المبادرة
كانت ثورة 21 سبتمبر 2014 لحظة فاصلة، حيث فضحت المؤامرة الخليجية واستعادت الإرادة الوطنية.. أسقطت الثورة نظام الارتهان، وكشفت حجم العبث بالمؤسسة العسكرية، ومحاولات تدمير العقيدة القتالية الوطنية.
بعد الثورة بدأت منظومة الوصاية بالتفكك، وسقطت رهانات الخارج، مؤكدين قدرة الشعب اليمني على فرض إرادته السيادية واستعادة قرار الدولة.
من الارتهان إلى الاقتدار.. ثمار الاستقلال
اليمن اليوم يثبت أن إرادة شعبه وقدرته على استعادة السيادة أقوى من أي مخطط خارجي.. تحول البلد من دولة مرتهنة للمانحين إلى دولة تمتلك إرادة مستقلة وقدرات عسكرية متطورة، مع تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة وفرض معادلات الردع الإقليمية.
هذا التحول يؤكد حماية وحدة واستقلال الدولة، ومواجهة مشاريع التقسيم والوصاية التي حاولت الهيمنة على القرار الوطني.
21 سبتمبر.. بوابة الاستقلال والسيادة
المبادرة الخليجية كانت وثيقة استسلام مقنعة، صممت لتقويض الهوية اليمنية والسيادة الوطنية، وإضعاف الدولة وتجزئتها سياسياً وجغرافياً وعسكرياً.
في المقابل، مثلت ثورة 21 سبتمبر الرد الشعبي الطبيعي على هذه المؤامرة واستعادة القرار الوطني، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الاستقلال والسيادة، حيث أصبح اليمن قادراً على فرض معادلاته الإقليمية دون أي وصاية خارجية.
نقلاً عن موقع 21 سبتمبر