النهضة النبوية الكبرى.. دروس في التغيير
الصمود – بقلم| طلال محمد الغادر
في كُـلّ عام، ومع حلول العام الهجري الجديد، تستحضر الأُمَّــة الإسلامية ذكرى الهجرة النبوية، تلك المحطة الفارقة التي غيرت مجرى التاريخ، وأسست لدولة العدل والإيمان، وأطلقت نور الإسلام ليملأ أرجاء المعمورة.
إن الوقوف عند سيرة النبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ونهضته المباركة، واستلهام الدروس من حركته العظيمة، ليس ترفًا فكريًّا، بل ضرورة وجودية للأُمَّـة الإسلامية اليوم، وهي تواجه أشرس هجمة في تاريخها الحديث، هجمة “جاهلية العصر” التي تحمل رايتها أمريكا وكيان الاحتلال، وتتحَرّك بها الصهيونية العالمية، مستهدفةً الوجود الإسلامي، والمقدسات، والأوطان، والشعوب.
إن التأسي بالنبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ليس مُجَـرّد شعور عاطفي أَو ارتباط وجداني، بل هو التزام عملي بمنهج متكامل، يجمع بين الثبات على المبادئ، والأخذ بالأسباب، والصبر على الشدائد، والتخطيط المحكم، والثقة بالله تعالى.
يقول الله في محكم كتابه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21).
هذه الآية تضع أمامنا حقيقة واضحة: أن طريق النجاة والفلاح، وطريق العزة والتمكين، هو في الاقتدَاء بالنبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، ليس في جزئيات حياته فحسب، بل في منهجه الكلي في مواجهة الطغيان، وفي بنائه للأُمَّـة، وفي تعامله مع التحديات.
وعندما نتمعن في النهضة النبوية الكبرى، نجدها قامت على أسس راسخة، لا تزال صالحة لكل زمان ومكان:
أولًا: الثبات على المبدأ وعدم المساومة: وقف النبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم في وجه طغيان قريش، وواجه كُـلّ أصناف الضغوط، ولم يهادن في جوهر الرسالة.
لم يطلبوا منه إلا أن يدع بعضًا من دعوته، فقال لهم: “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أَو أهلك دونه”.
هذا هو درس الثبات على الحق، وعدم التخلي عن المبادئ مهما كانت المغريات أَو التهديدات.
ثانيًا: البحث عن البيئة الحاضنة: حينما ضاقت مكة بالنبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، لم يستسلم لليأس، بل بحث عن بيئة أُخرى تحتضن الرسالة وتنصرها.
وجدها في يثرب، عند الأوس والخزرج، الأنصار الذين تحلوا بالإيثار والصبر والشجاعة، فكانوا النواة الصلبة لدولة الإسلام.
هذا يعلّمنا أن النهضة تتم بصنعها والبحث عنها، وبناء المؤسّسات والأفراد المؤهلين لحمل الأمانة.
ثالثًا: الأخذ بالأسباب والتوكل على الله: هجرة النبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم كانت خطة محكمة، من سرية الموعد، إلى التمويه بعلي بن أبي طالب عليه السلام، إلى التوجّـه جنوبًا إلى غار ثور، واختيار طرق غير مألوفة، واستئجار دليل خبير.
هذه الترتيبات الدقيقة تعلمنا أن التوكل على الله لا ينافي الأخذ بكل الأسباب الممكنة، فهما وجهان لعملة واحدة.
رابعًا: بناء الدولة من القاعدة: بدأ النبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ببناء المسجد، كقاعدة للانطلاق في كُـلّ المجالات: عسكرية، واقتصادية، واجتماعية، وتربوية.
ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، ليحل المشكلة الاقتصادية ويؤسس للتكافل الاجتماعي.
ثم عقد المعاهدات ليثبت الأمن الداخلي.
هذا منهج بنائي متدرج، يعطي الأولوية للتماسك الداخلي والأسس الأخلاقية قبل أي انطلاق خارجي.
جاهلية العصر.. طغيان مستكبر يهدّد الوجود
اليوم، تواجه الأُمَّــة الإسلامية عدوًّا لا يقل خطرًا عن جاهلية الأمس، بل هو أشرس وأكثر تنظيمًا وإمْكَانات.
إنها الجاهلية المستكبرة التي تحمل رايتها أمريكا وكيان الاحتلال، وتتحَرّك بها الصهيونية العالمية، كما ورد في بيان السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- بمناسبة العام الهجري الجديد.
إن هذه الجاهلية:
افتضحت بجرائمها البشعة في فلسطين وغزة، حَيثُ ترتكب أبشع المجازر بحق الأطفال والنساء، تحت أنظار العالم الصامت.
شنَّت عدوانًا غاشمًا على لبنان وإيران واليمن، مستهدفةً محور المقاومة الذي يمثل الأمل الوحيد للأُمَّـة.
تكشفت خباياها في وثائق اليهودي إبستين وغيرها، لتؤكّـد أنهم أعداءُ الإنسانية قبل أن يكونوا أعداء الإسلام.
تسعى لتدنيس المقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، ومحاولة تهويد القدس وتدمير الهُوية الإسلامية للمدينة المقدسة.
هذا العدوّ لا يريد للأُمَّـة أي خير، وهو يعمل بكل قوته لتفتيتها، وإخضاعها، ونهب ثرواتها، وسلب حريتها واستقلالها.
وفي مواجهة هذا الطغيان، تأتي ضرورة التأسي بالنبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم لتكون أكثر إلحاحًا.
موجهات عملية للتأسي بالنبي في مواجهة طغيان العصر
انطلاقًا من بيان السيد القائد يحفظه الله ومن دروس الهجرة والنهضة النبوية، يمكن استخلاص جملة من الموجهات العملية التي ينبغي للأُمَّـة، ولشعب اليمن خَاصَّة -أحفاد الأنصار- أن يعملوا بها:
أولًا: الثبات على الموقف من الأعداء: كما ثبت النبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم في وجه قريش، يجب أن نثبت اليوم في مواجهة أمريكا وكيان الاحتلال، وألا نهادن أَو نتراجع عن مبادئنا.
هذا الثبات هو عنوان العزة والكرامة، وهو الطريق لنيل النصر الإلهي.
ثانيًا: التمسك بالقرآن الكريم وكلمة الله: كانت القوة الحقيقية للنبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم هي القرآن، الذي كان يتلو على الناس فيفجر في قلوبهم ينابيع الإيمان.
اليوم، الأُمَّــة بحاجة إلى العودة الجادة إلى القرآن، تلاوةً وتدبرًا وعملًا، ليصنع فيها التغيير الحقيقي، ويمنحها المناعة ضد حملات التشويه والتضليل.
ثالثًا: التضامن والتعاون في محور الجهاد والمقاومة: النهضة النبوية قامت على التضامن بين المهاجرين والأنصار.
واليوم، لا نجاة للأُمَّـة إلا بالوحدة والتكاتف، والالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة، والتحرّر من التبعية للخارج.
إن مبدأ “وَحدة الساحات” هو ترجمة عملية لهذا التضامن، بحيث تكون كُـلّ ساحة من ساحات المواجهة مساندة للأُخرى، حتى يتحقّق النصر الشامل.
رابعًا: الاستعداد الدائم والجهوزية المُستمرّة: النبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم كان دائم الاستعداد، ولم تفاجئه الأحداث.
واليوم، على الأُمَّــة أن تكون في حالة جهوزية دائمة تجاه أي تصعيد أَو عدوان، وألا تركن إلى الأمن الزائف أَو التهدئات الخادعة.
خامسًا: البناء الذاتي والنموذج الحضاري: النهضة النبوية كانت مشروع بناء متكامل.
اليوم، الأُمَّــة بحاجة إلى مشروع نهضوي شامل، يقوم على أَسَاس التمسك بالهُوية الإيمانية، والاهتمام بالعلم، والتنمية الاقتصادية، وبناء المؤسّسات، والإعداد العسكري، بما يجعلها قوية في دينها ودنياها.
العاقبة للمتقين
إن التأسي بالنبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، واستلهام دروس الهجرة والنهضة الكبرى، هو ضرورة حتمية لمواجهة تحديات العصر.
فكما انتصر النبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه على جاهلية الأمس، فإن الأُمَّــة اليوم، إذَا تمسكت بهديه، وتخلقت بأخلاقه، واتبعَت سنته، ووثقت بالله ونصرت دينه، فإن الله سينصرها ويُمكِّن لها في الأرض، ويجعل كلمتها هي العليا، وكلمة أعدائها هي السفلى.
إن أحفاد الأنصار في اليمن، وهم يواصلون حملَ راية الإسلام، ومواجهة الطغيان الصهيوني والأمريكي، وهم يساندون إخوانهم في فلسطين وغزة، وهم يضربون أعداء الأُمَّــة في عمقهم، إنهم يثبتون أنهم على ذات المؤهلات التي أهلت أسلافهم لنصرة الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، وأنهم يستحقون حمل هذه الأمانة العظيمة.