تفاهُم بشروط إيران.. انكسار الغطرسة الأمريكية
الصمود – بقلم| مبارك حزام العسالي
فيما يبدو أنها نهاية هذه الجولة من جولات الصراع التاريخي بين محور المقاومة وقوى الاستكبار العالمي، تأتي مذكرة التفاهم الأخيرة بين الجمهورية الإسلامية في إيران وأمريكا لتضع نقطة آخر السطر في مرحلة راهن فيها العدوّ الصهيوني والأمريكي طويلًا على كسر إرادَة الأُمَّــة وتفكيك جبهاتها المترابطة.
ورغم أن هذه المذكرة قد لا تمثل السقف الأقصى الطموح الذي حدّدته طهران في استراتيجيتها المعلنة، إلا أن القراءة الواعية لعمق المشهد وطبيعة الموازنات السياسية والعسكرية تؤكّـد أن ما جرى يمثل تحولًا استراتيجيًّا وصفعة مدوية لصلف الإدارة الأمريكية وعجرفتها المعهودة.
وبناءً على المعطيات الميدانية، فقد بدأت قوى الهيمنة الدولية حروبها وعدوانها بوضع شروط استسلام بالغة الغرور؛ سعيًا لتدمير خصومها وتغيير خارطة المنطقة بالكامل، لتنتهي بها الغطرسة اليوم صاغرةً بالقبول بالواقعية السياسية، والتوقيع على صفقة مباشرة مع نفس الخصم الذي أرادت إباداته وإلغاء وجوده، والعودة على الأقل إلى قواعد ما قبل الحرب؛ ما يعد انتصارًا دبلوماسيًّا وسياسيًّا استثنائيًّا لمحور المقاومة وثباته الأُسطوري.
تكمن الأهميّة الاستراتيجية لهذه المذكرة في معادلات جوهرية صاغها الصمود الأُسطوري لشعوب وجبهات المنطقة،
وفي مقدمتها تثبيت معادلة “وحدة الساحات” كواقع مفروض لا يمكن تجاوزه.
فكما ترسخت هذه القاعدة العظيمة بالدماء والبارود في ميادين المواجهة، ها هي اليوم تفرض حضورها بقوة في أروقة السياسة وصياغة الاتّفاقات الدولية، حَيثُ أثبتت الجمهورية الإسلامية أنها الرقم الصعب الذي فرض وقف إطلاق النار في لبنان على العدوّ الصهيوني، واضعةً الانسحاب الشامل والكامل شرطًا أَسَاسيًّا لا تنازل عنه لإكمال أي عملية تفاوضية مستقبلية.
من جانب آخر، تمثل هذه المذكرة اعترافًا أمريكيًّا رسميًّا بعدم واقعية السقوف والأهداف التي وضعها كيان العدوّ الإسرائيلي في بداية عدوانه الهمجي، وتخليًا علنيًّا من واشنطن عن حليفها الصهيوني بعد أن عجزت الآلة العسكرية المشتركة عن تحقيق أي حسم عسكري أَو إنجاز استراتيجي يمكن تسويقه في بورصة انتخابات الكونجرس.
ويؤسس توقيع هذا التفاهم لمرحلة جديدة تنقلب فيها الضغوط والأزمات بأكملها إلى الداخل الأمريكي والإسرائيلي على حَــدٍّ سواء.
فبعد أن فشل المجرم “نتنياهو” في تمديد الحرب والهروب الأمامي إلى موعد الانتخابات، نجحت إيران والمحور في صياغة معادلة تضمن القدرة على الاحتفاظ بمرونة التفسير والتحَرّك في أية مواجهة قادمة.
وبناءً على هذا التحول الإقليمي المتسارع، يقف المحور اليوم أمام تحديَّين رئيسيَّين يتطلبان أعلى درجات الوعي وبذل الجهود السياسية والميدانية: –
ويتمثل أولهما في معركة تحقيق الانسحاب الصهيوني الكامل من الجنوب اللبناني، وهي معركة سياسية مُستمرّة ولن تنتهي في هذه الجولة السريعة، حَيثُ من المرجح أن تطول المفاوضات وتتعقد مساراتها، لكن التقديرات الاستراتيجية تشير إلى أن حكومة نتنياهو الحالية المأزومة لن تكون قادرة على تحمل ثمن هذا الانسحاب عسكريًّا وشعبيًّا، وأن هذه المهمة الثقيلة ستُلقى على كاهل الحكومة الصهيونية القادمة التي سيفرزها السقوط الحتمي للائتلاف المتطرف الحالي.
أما التحدي الثاني والأكبر فيبرز بوضوح في قطاع غزة المظلوم وصعوبة الانتقال إلى المرحلة الثانية، خَاصَّة في ظل تكالب قوى ما يسمى “الوسطاء” الذين يركزون جل جهودهم لتحقيق أهداف العدوّ عبر بوابة الدبلوماسية والسياسة بعد أن عجز كيان الاحتلال عن انتزاعها في الميدان.
ويسعى الأعداء عبر أدواتهم الإقليمية والدولية إلى إدامة الوضع المأساوي الحالي من تجويع ممنهج وقتل يومي وقضم مُستمرّ للأرض، متوهمين أن هذا الحصار الإجرامي الخانق سيفلح في حشر المقاومة في الزاوية، وتحقيق حلمهم الخائب في تفكيك البنية العسكرية ونزع أظافر غزة الباسلة.
إذن..
أمام هذا المخطّط الخبيث، فإن تغيُّرَ الموقف الإقليمي وتوقف جبهة الحرب الإيرانية الصهيونية المباشرة دون كسر أَو تراجع للمحور، سيشكل جدار حماية حقيقي يخفف من مستوى الضغوط المسلطة على قطاع غزة.
ويظل الرهان الأكبر اليوم معقودًا على صمود غزة ومقاومتها الباسلة وثباتها الأُسطوري حتى شهر نوفمبر القادم، تزامنًا مع التغيرات العاصفة المرتقبة في انتخابات كيان العدوّ في أُكتوبر، وذلك دون تقديم أية تنازلات إضافية تمس بجوهر القضية، مستفيدين من ثبات المحور إقليميًّا ورسوخ جبهاته، لتؤكّـد الأيّام مجدّدًا أن زمن فرض الإملاءات الأمريكية وحلفائها قد ولَّى إلى غير رجعة.