...

كيف مهدت الوهابية للتطاول على النبي محمد ..؟!

الصمود – تقرير

في سبتمبر من العام 2005م قامت صحيفة يولاندس بوستن الدنماركية. بنشر عدد من الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وآله، وفي يناير 2006 قامت صحيفة نرويجية Magazinet والصحيفة الألمانية دي فيلت والصحيفة الفرنسية France Soir وصحف أخرى في أوروبا بإعادة نشر تلك الصور الكاريكاتورية، واستمرت الإساءة لرسول الله محمد تتنقل بين الصحف الأمريكية والغربية.

وفي العام 2012 م صدر فيلم أمريكي أنتجه سياسي هولندي أكثر إساءة ووقاحة في الهجوم على نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله.

وفي 2015م فتعرضت صحفة شارلي إيبدو الفرنسية إلى هجوم من أحد الغاضبين عقب نشرها رسوما مسيئة للرسول محمد صلى الله عليه واله، وسارع قادة أكثر من 40 دولة، بينهم زعماء عرب، إلى مسيرة عار في العاصمة الفرنسية باريس، لتأكيد تضامنهم مع صحيفة شارلي إيبدو، وفي لائحة العار العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وقرينته، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء التونسي آنذاك مهدي جمعة.

كما تقدم المظاهرة وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، ووزراء خارجية مصر، والمغرب، والجزائر، رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، ودول أخرى كالسعودية وقائمة طويلة كلفت سفراءها في باريس أو أصدرت بيانات تضامن مع صحيفة جندت ضمن حملة غربية وصهيونية تتعمد الإساءة إلى الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وآله.

والمفارقة هنا كما ورد من لائحة المشاركة العربية والإسلامية أنه بعد أقل من عشر سنوات كان قادة الأنظمة العربية وإعلامهم بما في ذلك الإعلام السعودي حيث تفاعلت قناة العربية بشكل كبير مع المسيرة وتضامنت مع الصحافي القتيل وأدانت منفذي الهجوم غضبا للمصطفى وهما أخوان من أبناء الجالية المغربية، يقف متضامنا مع من يسيء إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله ويتقدم مسيرة باريسية حملت عنوان ” أنا شارلي إيبدو”، وصمت إعلامهم وعلى رأس ذلك تجمع علماء المسلمين الذي يرأسه الشيخ القرضاوي وشيوخ الوهابية في السعودية ودول الخليج، مقارنة بالإدانات للرسوم الكاريكاتورية التي أطلقتها صحيفة دانماركية قبل 10 سنوات، وشعبيا بعد عشر سنوات من الإساءة الممنهجة خفتت حدة التظاهرات عربيا وإسلاميا باستثناء بلدان معدودة ولم نشهد حملات المقاطعة الاقتصادية التي رأيناها في 2005م عقب نشر الدنمارك الرسوم الكارتونية المسيئة.

وذلك يطرح ثلاثة أسئلة جوهرية:

ما الذي تغير؟ ولماذا صمت المسلمون وقد بلغت الوقاحة ضد النبي مستوى أشد، وهم صرخوا في الأولى؟ وهل جرأ الشارع العربي والإسلامي علماء السعودية بخلاف ما يضمرون فأطلقوا البيانات المنددة في الأولى وصمتوا في الثانية بل تضامنوا مع صحيفة ” شارلي إيبدو؟.

وما الذي جرأ الغرب حتى تطاول على رسول الله محمد؟ وهو الذي كان يخشى ذلك، ويمتدح صفاته؟

بإجابة السؤال الأول والمحوري فيمكن الإشارة إلى أن الرسوم الدانماركية شكلت فقط صافرة البداية والتجربة لمرحلة جديدة دشنت في الإساءة الى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه واله، ولقياس ردات الفعل الشعبية الإسلامية وردات الأنظمة، حيث رأينا انطلاق الشعب العربي المسلم في التعبير عن غضبه تظاهرات ومقاطعة اقتصادية جرت معها مواقف للأنظمة التي تظهر موقفها الحقيقي بالوقوف بعد عشر سنوات إلى جانب من يسيئون إليه صلوات الله وسلامه عليه ويتقدمون التظاهرات المنددة.

وبنتيجة ذلك نظم علماء الوهابية عمليات ممنهجة عقب العام 2005م والوى الاساءات الشخصية لرسول الله، وتواصلت عقب كل إساءه، لتخدير الشعوب عبر نشر القصص والحكايات الزائفة عن مصائر سوداء كالإصابة بالأمراض الخطيرة والغرق والاحتراق أصيب بها المسيئون للرسول صلى الله عليه وآله وطاف علماء الوهابية بأموال النفط أقطار المسلمين، لتخدير الناس وامتصاص غضبهم، وغرس قناعات باطنية مفادها أن “الله سبحانه انتقم للرسول ولا داعي لأن تظهروا غضبا أو تقاطعوا منتجا” وعلى منوال للبيت رب يحميه وأنا رب إبلي.

وفي الشق المرادف فبعد سنوات من تكرار الإساءة للنبي محمد أظهرت الأنظمة صنيعة الغرب حقيقة موقفها وخيانتها لمحمد صلى الله عليه وآله واستعدادها للذهاب بعيدا في العمالة حفظا لكراسيها السلطوية من غضب أمريكا والغرب، وتضامنت مع المسيء في نهاية المطاف.

ولا غرو اليوم إن كشفت عن علاقتها وعمالتها لإسرائيل علنا متى ما طلب منها ذلك وتعين اليهود على قتل الشعوب المسلمة في اليمن وسوريا والعراق وأين ما اقتضت رغبة مولاها الصهيوني والأمريكي الذي يمعن كل يوم في إذلالها واستحقارها.

والسؤال الثاني وهو أكثر جوهرية من سابقه، كيف تجرأ الغرب واليهود بعد أكثر من 1400 عام على النيل من شخص رسول الله محمد صلى الله عليه وآله؟ وفي وقت قدمت فيه التكنولوجيا مشهدا جامعا لكل طرف عن الآخر وحجمه، وهل ثمة من مهد لهم الأرضية على مدى عقود؟

وبالإجابة عن هذا السؤال.. يمكن القول نعم

الإعلام الأمريكي كشف عن فحوى خطاب من رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى الرئيس الأمريكي ترامب الذي أظهر تململا إزاء ردة الشارع الإسلامي على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس فجاء نتنياهو ليطمئنه بأن الشارع الذي يخافه ترامب مشغول بنفسه وجرى تحضيره لمثل هذه الخطوة، وعلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الجديد ألا يقلق – يخاطب نتياهو ترامب – ويبدو أنه محق فقد جرى تدجين وإلهاء الشارع الإسلامي عن أمور عديدة تمس بركائز الإسلام الأساسية والمشروع الإسلامي المتمثلة في أربعة أمور أساسية هي النبوة والقرآن والقبلة والأمة.

ومن هذا المنطلق فإن الوهابية السعودية التي يجري التخلص منها من قبل آل سعود اليوم، ونرى مشائخها يتسابقون لتحليل ما حرموه عقودا، قد مهدوا الطريق للغرب ليتجرأ على المصطفى محمد صلى الله عليه وآله، وأتاحت أموال النفط الممزوجة بالسطوة الأمريكية في العالم وسيطرة العملاء على السلطة في الأقطار الإسلامية، البيئة المواتية لتعمل الوهابية التي أنشأها وأسس لها بدعم وتوجيه بريطاني محمد بن عبدالوهاب من الانتشار إلى دول العالم ونشر أفكارها الهدامة للإسلام والمسيئة للذات الإلهية والمسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وآله من جميع النواحي، مع تغليفها بقالب خداع تسللت من خلاله إلى عقول البسطاء والكتب والمناهج الدراسية رويدا رويدا، وأضحت مع الأيام حقائق يستشهد بها الجهال.

منذ سيطرة النظام السعودي على الحجاز عمدت الوهابية بتوجيه بريطاني مباشر عبر عميلها المشهور جون فليبي وهو يذكر ذلك صراحة في كتبه مذكرات همفر إلى تغييب كل ما يتصل بالرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، مكانا هي معالم إسلامية، فطال الهدم منزله وشواهده صلوات الله وسلامه عليه وآله في مكة ومنازل أسرته بني هاشم وحتى منزل زوجته خديجة سلام الله عليها الذي هدم وبني محله حمامات عامة.

وكاد الوهابيون في فترة التوسع السعودي لمؤسس الدولة السعودية عبد العزيز آل سعود أن يهدموا بيته وقبره في المدينة المنورة بحجة محاربة الشرك، لولا أن تصدى لهم أهلها آنذاك في ابريل من العام 1925م وثارت ثائرة العالم الإسلامي فتراجع عبد العزيز ال سعود.

وتورد جريدة أم القرى الحجازية أنه عندما احتل أتباع ابن عبد الوهاب مكة، هدموا المعالم النبوية التاريخية فيها، وعملوا على تدمير كل القباب والأضرحة والمقامات وكل ما وجدوه من آثار قرون من التعمير الإسلامي حول المسجد الحرام، فدمّروا القبة المنصوبة فوق الدار التي ولد فيها النبي محمد، وأخرى فوق دار عليّ ابن أبي طالب، وقبة كانت تشير إلى ضريح زوجة النبي خديجة بنت خويلد.

وبعد أن استقرت سلطة آل سعود على الحجاز، شرع الوهابيون بالبحث عن وسيلة ومبرر لهدم قبر النبي وقبور الصحابة. وخوفاً من غضب المسلمين في البلاد الاسلامية خاصة أهالي الحجاز، وتبريراً لعملهم استفتوا علماء المدينة المنورة حول حرمة البناء على القبور، حمله قاضي قضاة الوهابيين آنذاك “سليمان بن بليهد”‌، وتحت التهديد والترهيب وقّع علماء المدينة المنورة على جواب يفتي بحرمة البناء على القبور، تأييداً لرأي الحركة الوهابية التي کتبت الاستفتاء.

ونشرت جريدة أُمّ القرى بعددها 69 في 17 / شوال 1344 هـ.ق نص الاستفتاء وجوابه ـ وکأن الجواب قد أُعدّ تأکيداً على تهديم القبور ـ وحددت تاريخ صدور الفتوى من علماء المدينة بتاريخ 25 / رمضان 1344 هـ، امتصاصا لنقمة المسلمين.

واستناداً لهذا الجواب اعتبرت سلطات آل سعود ذلك مبررا مشروعا لهدم قبور الصحابة والتابعين فهدّموا كل القبور ذات القباب في منطقة “البقيع” حتى سوّوها بالأرض، وتشير مصادر إلى خروج احتجاجات في المدنية المنورة ضد عصابات الوهابية التي شرعت بعدم البقيع قوبلت بالتنكيل لأهل المدينة.

وتشير العديد من الوثائق والقرائن التاريخية إلى أن الوهابيين حاولوا مرارا هدم قبر الرسول وقبته وبدأوا في محاولات للمساس بالقبر النبوي لکنهم تراجعوا عن فعلتهم على وقع الاحتجاجات التي كانت تشهدها العديد من المناطق الإسلامية وتصدي سكان المدينة لمنورة لهم.

محاولة حديثة

وآخر محاولة استهداف لقبر الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه واله، لم يمض عليها سنوات، وفضحتها للعالم الإسلامي صحف بريطانية “الاندبدنيت” و “ديلي ميل” و”الغارديان ”. وتحت عنوان “السعودية قد تخاطر بإحداث انشقاقات بين المسلمين بسبب خطط لنقل قبر الرسول”. كتب الصحافي البريطاني أندرو جونسون، أن المملكة العربية السعودية “تخطط لنقل قبر الرسول” ودفن رفاته في مقابر البقيع في “قبر غير معلوم”. وجاء في التقرير الذي تصدّر الصفحة الأولى للجريدة البريطانية عام 2014 أن هذا المخطط يأتي ضمن مخططات توسعة وتجديد الأماكن المقدسة في السعودية. وقال جونسون في تقريره إن هذا الأمر قد يؤدي إلى “إحداث فتنة في العالم الإسلامي”.

واستند تقرير “الاندبندنت” على دراسة سعودية صدرت عام 2013، أنجزها المدعو علي الشبل، الأكاديمي في “جامعة محمد بن سعود، وتوصي هذه الدراسة بنقل قبر الرسول وحجراته من حرم المسجد النبوي لخارج المسجد، وتطالب الدراسة التي نشرت في المجلة العلمية “المحكمة”، الصادرة عن “مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي”، التابع للرئاسة العامة لـ “شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي”، بهدم الجدار العثماني، وعدم تجديد اللون الأخضر على القبة، وطمس الأبيات الشعرية من قصائد المدح المكتوبة في محيط الحجرة، وذلك “درءًا لشر الشرك والتوسل والاستغاثة بالرسول صلى الله عليه واله وسلم في قبره وهو ميت”، حسب وصف الدراسة.

وقامت “الاندبندنت” بترجمة أجزاء من هذه الدراسة التي تقع في 61 صفحة، توصي بنقل قبر الرسول إلى مكان مجهول بعيدا عن المدينة وإعادة نشرها في تقارير عام 2014 وتدعو الدراسة إلى نقل بقايا رفات النبي بشكل سريّ إلى مكان مجهول بمقَبرة “البقيع” المجاورة، والتي تحوي على رفات أفراد من الأسرة النبوية، بما في ذلك والده، عبد الله، الذي نقل إلى نفس المقبرة في السبعينيات، مع إخفاء مكان القبر كما حدث في عام 1924، عندما تمت إزالة كلّ العلامات من على قبور أهل البيت، حتى لا يعرف الحجاج مَن دُفن فيها.

ومنذ السيطرة السعودية على المدنية النورة والمسجد النبوي يمنع دعاة الوهابية المسلمين من زيارة بيت الرسول الأكرم أو قبره ويجبر الناس على الاكتفاء بالمرور من جوار بيته صلى الله عليه وأله على ألا يتجاوز المرور ثوان معدودة.

الاستهداف لمقام وشخصية ودولة النبي