...

نص وفيديو : خطاب السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي في ذكرى المولد النبوي الشريف 1441هـ

الصمود – متابعات

حياكم الله، وأهلاً وسهلاً بكم…

بارك الله فيكم وكتب أجركم… نفسي لكم الفداء يا أحفاد الأنصار، يا يمن الإيمان والحكمة…

أُعُوْذُ بِاللهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}[الفرقان: 1-2].

والحمدُ لله رَبِّ العالمين، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا}[الكهف: 1-3]،وأَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحده لا شريك له، ولا كفؤ له، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى: من الآية11]،وأشهَدُ أنَّ سيدَنا مُحَمَّداً عبدُه ورَسُوْلُه وخاتمُ أنبيائه، أرسله بالحقِّ {شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}[الأحزاب: 45-46]، فبلَّغ رسالات الله، وأقام الحجة، وأوضح المحجة صابراً، محتسباً، مجاهداً، مستقيماً، حتى لحق بالرفيق الأعلى مرضياً عمله، ومشكوراً سعيه، ومرفوعةً درجاته.

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب: الآية56]، اللّهم صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّد، وبارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّد، كما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ، وارضَ اللَّهُم برِضَاك عن أَصْحَابِهِ الأخيارِ من المهاجرين والأنصار، وعن التابعين لهم بإحسان، وعن سائر عبادك الصالحين.

أيها الإخوة والأخوات، الحاضرون في كل ساحات الاحتفال بهذه الذكرى المباركة:

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

وكتب الله أجركم، وبارك فيكم على هذا الحضور المشرِّف المعبِّر عن الفرح والابتهاج والسرور برحمة الله للعالمين، وفضله العظيم المتمثل بخاتم أنبيائه وسيِّد رسله، سيدنا وقائدنا وقدوتنا: رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم “صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله”، في ذكرى مولده المبارك، وقدومه الميمون، ومباركٌ لكم ولكافة أبناء شعبنا المسلم العزيز، ولأمتنا الإسلامية قاطبة، بهذه المناسبة المجيدة والذكرى المباركة.

في هذا العام، كما في الأعوام الماضية، يتبوأ شعبنا اليمني المسلم العزيز الصدارة بين أبناء الأمة الإسلامية في احتفاءه واحتفاله واهتمامه بهذه المناسبة المباركة، حيث جعل منها محطةً تعبويةً وتربويةً ومعرفيةً لتعزيز الولاء والمحبة لرسول الله “صلى الله عليه وعلى آله”، ولترسيخ المفاهيم والمبادئ والقيم الإسلامية التي أتى بها من عند الله “سبحانه وتعالى”، وللحثِّ على الاقتداء والتَّأسي برسول الله “صلوات الله عليه وعلى آله”، والتعرف على مسيرته المباركة في حركته بالرسالة الإلهية، وما حمله من قيم، وما جسَّده من أخلاق، وبلَّغه من التعاليم الإلهية.

إنَّ شعبنا العزيز، وهو يمن الإيمان والحكمة، بحكم هذا الانتماء وهذه الهوية الإيمانية، أدرك أهمية هذه المناسبة، وما تمثِّله من فرصةٍ كبيرةٍ في مرحلةٍ حسَّاسة تعاني فيها الأمة الإسلامية من مشاكل كبيرة، وتواجه فيها تحدياتٍ خطيرة، وهي فيها بأمسِّ الحاجة إلى العودة إلى ينابيع الهداية والحكمة، وعناصر القوة، وأسباب الفلاح والنجاة والخلاص.

والحديث عن الرسول والقرآن الكريم والرسالة الإلهية هو حديثٌ عمَّا نحن معنيون به؛ بحكم انتمائنا للإسلام، وحديثٌ عمَّا لا نجاة، ولا خلاص، ولا فلاح للبشرية إلَّا به، وحديثٌ عمَّا ثبت بالفعل نجاحه في إنقاذ البشرية في جاهليتها الأولى، فقد كان الناس يعيشون جاهليةً جهلاء، فقدوا فيها الرشد الفكري في عقائدهم وأفكارهم وثقافاتهم، وفقدوا فيها الاستقامة والحكمة والصلاح في أعمالهم وتصرفاتهم وسلوكهم ومعاملاتهم، ونتاج ذلك هو الشقاء، والبؤس، والمشاكل بكل أنواعها، بدون أفقٍ للحل، وعظمت المعاناة، وتدهورت الأوضاع، وبات البشر في أسوء واقع، وفي أمسِّ الحاجة للتغيير وللخلاص.

إنَّ كل الكيانات الموجودة آنذاك من إمبراطوريات ودولٍ كبرى بقادتها، ومفكريها، وساستها، ومنظِّريها، وما تمتلكه من إمكاناتٍ، وما تعتمد عليه من أفكارٍ وثقافات، وتسير عليه من توجهات، وإنَّ كل النخب الموجودة آنذاك من الأحبار، والرهبان، وعلماء أهل الكتاب… وغيرهم، وإنَّ الشخصيات المؤثرة في المجتمع من قادةٍ، وزعماء عشائر… ومن مختلف الشرائح الاجتماعية، الجميع لم يقدِّم الحل، وكان جزءًا من المشكلة، وما يصرُّون عليه ويتشبثون به كان يزيد منها، ومن آثارها السيئة في واقع الحياة؛ لأن الإنسان عندما يبتعد عن رسالة الله “سبحانه وتعالى”، وعن هديه العظيم، وعن نوره المبارك، فلن يجد أبداً البديل الذي يرقى إلى مستوى الهدى، ولن يمتلك النور الذي يكشف له كل الظلمات، وهذا ما وقعت فيه البشرية آنذاك، بعد أن انحرفت عن رسالة الله “سبحانه وتعالى” وتعاليمه فيما جاء به أنبياء الله: إبراهيم، وإسماعيل، وموسى، وعيسى “عليهم السلام”… وغيرهم من الأنبياء السابقين، وانحرفت عمَّا كانوا عليه من مبادئ عظيمة، في مقدِّمتها مبدأ التوحيد، وعمَّا كانوا عليه من أخلاق، وعن التعاليم الإلهية القيمة التي تصلح بها حياة الناس.

ومن بعد نبي الله عيسى “عليه السلام” امتدت الفترة، وتعاظم الانحراف والتحريف، وكان الكثير مما يقدَّم للناس تحت عناوين مختلفة باسم الدين، وباسم المصلحة… وغير ذلك. إنما هو باطل له أثره السيء على الإنسان في نفسه وفي حياته، والذين يقدمونه إنما ينطلقون لتحقيق مكاسب ومصالح شخصية أو فئوية، مع فقدانٍ للتربية الروحية والأخلاق الصحيحة.

إن نتاج تلك الحال هو أن ازداد الضلال بكل أشكاله العقائدية والعملية، من شركٍ، وكفرٍ، وإجرامٍ، وظلمٍ، وفساد، وابتعدت البشرية عن الخير وعن الحق في حياتها، بقدر ما ابتعدت عن تعاليم الله “سبحانه وتعالى” وهديه ونوره، بكل ما في ذلك من خطورةٍ كبيرةٍ على الناس في حياتهم، وفي مستقبلهم في الدنيا والآخرة.

وكان من نتائج ذلك الضلال: أن تصبح الخرافة عقيدة، والأساطير ثقافة، وأن تنعدم التربية الروحية والأخلاقية الصحيحة، التي تزكي الإنسان، وتنمي فيه مكارم الأخلاق، وتصلح سلوكه وأعماله، وأن يختل الانضباط والالتزام في مسألة الحلال والحرام، وأن يعظم التحريف لكتب الله وتعاليمه وفقاً للأهواء والرغبات، حتى سيطرت المفاهيم الظلامية، والأفكار الباطلة، والعادات السيئة على مسيرة حياة المجتمع، فكان الواقع ظلامياً بكل ما تعنيه الكلمة، وكانت القوى المسيطرة والنافذة والمؤثِّرة من دولٍ وزعامات، تستفيد من ذلك في الاستعباد للناس، والاستغلال لهم، ولم يبق في ذلك الواقع ما يمكن أن يشكِّل خلاصاً منه، ولا حلاً لما تعانيه البشرية فيه، لا زعماؤه وحكَّامه، ولا نخبه من أحبارٍ، ورهبانٍ، وكهانٍ… وغيرهم، ولا من رؤى، وأطروحاتٍ، وأفكارٍ، وثقافاتٍ، وتوجهاتٍ؛ فساء واقع الحياة، وامتلأت الأرض ظلماً وجوراً، وبلغ الحال ومستوى الانحطاط والإفلاس الإنساني إلى أن يقتل الآباء أطفالهم: إمَّا قرابين للأصنام، وإمَّا خشية الإملاق والفقر، وإمَّا وأداً للبنات في التراب، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ}[الأنعام: من الآية137]، إضافةً إلى انتشار الفواحش، والمنكرات الفظيعة، وإلى أن تكون الجريمة سلوكاً منتشراً وسائداً في جاهليةٍ جهلاء، ومرحلةٍ ظلماء، فكانت البشرية في أمسِّ الحاجة إلى الإنقاذ لها، ليس فقط لذلك الزمان فحسب. بل وللأجيال اللاحقة، التي لو استمر بها ذلك الحال، وتعاظم وكبر في واقعها ذلك الخلل جيلاً بعد جيل؛ لبلغ إلى مستوى فظيع من الضلال، والظلم، والوحشية، والإفلاس الإنساني والأخلاقي، والابتعاد عن الفطرة، بحيث يصعب تخيله! فمن هو المنقذ؟ وكيف تتم عملية الإنقاذ والخلاص؟.

إنَّ الله “سبحانه وتعالى” هو رب العالمين، وملك السموات والأرض، وهو أرحم الراحمين، والعليم الحكيم، وهو رب الناس وملكهم وإلههم، وهو ولي نعمتهم، وفي مقدِّمة النعم: نعمة الهداية، التي بدونها لا يستفيد الإنسان من كلِّ النعم المادية مهما بلغت إمكاناته منها، بل تتحول هي إلى وسيلةٍ للظلم والفساد والطغيان، كما قال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}[العلق: 6-7]، فصلاح حياة الإنسان وسموه الإنساني يتوقف على الهداية الإلهية.

والله “سبحانه وتعالى” هو نور السموات والأرض، والهادي إلى سواء السبيل، والعليم الحكيم، ولا يمكن للبشر أن يستغنوا عنه في نعمة الهداية، كما لا يمكنهم أن يستغنوا عنه في نعمه المادية، فهو واهب الحياة، ومنه كل الخير، وهو الخالق لهذا العالم بكل ما فيه من كائنات، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[الأعراف: 54-57]، فالله “سبحانه وتعالى” كما يرعى عباده في حياتهم بما وهب لهم من نعمه التي لا تحصى ولا تعد، والتي لا بدَّ لهم منها في وجودهم: كالماء، ونور الشمس، واختلاف الليل والنهار بانتظامٍ عجيب، وما خلق الله من الثمرات والغذاء المناسب للإنسان، وما هيَّأ به الأرض لتكون مكاناً مناسباً لحياة الإنسان، وما أكرم به الإنسان في خلقه، وصورته، ومداركه… إلى غير ذلك. الله “سبحانه وتعالى” الذي أنعم على هذا الإنسان بنعمه الواسعة، لم يهمل هذا الإنسان في جانب الهداية التي تنظِّم له مسيرة حياته، وتزكي نفسه، ويعي بها الهدف من وجوده، ويعرف بها مسؤولياته في هذه الحياة، وعواقب عمله في الخير والشر في الدنيا والآخرة، فالله “جلَّ شأنه” برحمته وهو أرحم الراحمين، هو أرحم من أن يترك البشر بدون هدايةٍ لصلاح حياتهم، ونظم أمرهم، وحلِّ مشاكلهم، سيما ووجودهم يرتبط به من الأساس مسؤولياتٌ كبيرةٌ عليهم.

والله “سبحانه وتعالى” وهو الملك الحق، فإنَّ جانباً أساسياً من تدبيره لملكوته هو الهداية، والتعليمات التي يوجهها إلى عباده، فهو “سبحانه وتعالى” الذي له الخلق والأمر، وهو سبحانه لم يقطع صلته بعباده في الهداية منذ بداية الوجود البشري، حين خلق آدم أبا البشر وحواء “عليهما السلام”، فأرفق هذا الوجود بالهدى والتوجيهات والتعليمات ذات الصلة بمسؤولية الإنسان، وصلاح حياته، ومستقبله الأبدي في الآخرة، ومعها رعايته المرتبطة بها فيما وعد به عباده، وفيما حذَّرهم منه.

واستمرت هذه الصلة بالهداية عبر الرسل والأنبياء، وما أنزل عليهم من الهدى، وعبر الهداة من عباده عبر التاريخ الإنساني، كما قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}[النساء: من الآية165]، وكانت مشكلة الناس هي في الابتعاد عن رسالة الله تعالى وهديه العظيم: إمَّا بالكفر والجحود والرفض لها جملةً وتفصيلاً، كما فعله الكثير من البشر؛ اتِّباعاً للطغاة والمجرمين. وإمَّا عبر التحريف لها، وتفريغها من لبِّها ومن محتواها الأساسي، كما فعله البعض الآخر، والنتيجة لكلا الأمرين: هي الضلال والباطل، هي الظلم والفساد، هي المفاهيم الظلامية، هي الاستعباد والاستغلال لصالح الطغاة والمجرمين، هي الفوضى في الأعمال التي يترتب عليها الكثير من المشاكل الاجتماعية، والاقتصادية، والأمنية، والأزمات الكبيرة، والمعاناة الرهيبة، وهذا ما حدث في مرحلة الجاهلية الأولى قبل مبعث خاتم الأنبياء رسول الله محمد “صلى الله وسلم عليه وعلى آله”.

وأتت رحمة الله “جلَّ شأنه”، وكان أكبر بشائرها وإرهاصاتها حين أهلك الله أصحاب الفيل، يوم توجَّه أبرهة الحبشي بجيشه الجرار، وفي مقدِّمته الفيل الذي كان آنذاك كائناً مخيفاً بالنسبة للعرب، كما يمثِّل وجوده في جيش أبرهة، كان يمثِّل بالنسبة للروم رمزاً للقوة العسكرية في ذلك الزمن، وهدفت هذه الحملة العسكرية إلى السيطرة التامة على مكة المكرمة، ووأد مشروع الخلاص ، والقضاء على مستقبل الرسالة الإلهية، بعد أن عرف الطغاة أولئك مؤشرات وعلامات اقتراب القدوم المبارك لخاتم الرسل والأنبياء، إضافةً إلى سعيهم لتدمير الكعبة المشرفة بيت الله الحرام، برمزيته الدينية، وقدسيته المعروفة، فكان التدخل الإلهي المباشر بتدمير ذلك الجيش بكله، وإفشال مساعيهم بشارةً عظيمة، وعبرةً مهمةً في أنَّ الله غالبٌ على أمره.

في ذلك العام (عام الفيل) ولد رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، يتصل نسبه بنبي الله إسماعيل ابن نبي الله وخليله إبراهيم “عليهما السلام”، ولد في مكة المكرمة، ونشأ يتيماً، حيث توفي والده مبِّكراً، ثم توفيت والدته وهو- كما يقال- في السنة السادسة من عمره، فآواه الله، وكفله جده عبد المطلب، ثم توفي جده عبد المطلب وهو- كما يقال- في السنة الثامنة من عمره، فكفله عمه أبو طالب بقية طفولته، ووقف معه في بقية المرحلة المكية، وناصره منذ بعثته بالرسالة إلى أن توفي أبو طالب قبل هجرة النبي “صلوات الله عليه وعلى آله” إلى المدينة بزمنٍ يسير.

كانت نشأة النبي محمد “صلى الله عليه وعلى آله” نشأةً مباركة، وأنبته الله نباتاً حسناً، وحظي بالإعداد والرعاية الإلهية التي تهيئه لمسؤوليته الكبيرة ودوره العظيم في حمل الرسالة الإلهية والإنقاذ للبشرية؛ فلم يتأثر بالواقع الذي كان يعيش فيه، ولم يتدنس بدنس الجاهلية، بل نشأ نشأةً فريدةً ومتميزة، فنمت بنموه وكبرت معه مكارم الأخلاق والرشد والحكمة.

وفي الأربعين من عمره بعثه الله برسالته إلى الناس كافة رحمةً للعالمين، ليبدأ بحركته بها ضمن الخطة الإلهية الحكيمة من مكة، حيث يتهيأ له كمركزٍ ديني يقصده الناس للحج انتشار صدى الإسلام وخبر الرسالة إلى سائر البلدان، وسعى رسول الله “صلوات الله عليه وعلى آله” إلى تكوين أمةٍ تحمل هذه الرسالة إيماناً بها، والتزاماً بها، وثباتاً عليها، تتسع دائرتها يوماً بعد يوم، فكان أول نواةٍ لهذه الأمة رسول الله محمد “صلى الله عليه وعلى آله”، وزوجته الصديقة الطاهرة خديجة بنت خويلد، والصديق الأكبر السابق إلى الإسلام علي بن أبي طالبٍ “عليه السلام”، ثم اتسعت هذه الدائرة.

إنَّ الدروس التي تستفيدها الأمة اليوم عن السيرة النبوية في حركة رسول الله “صلى الله عليه وعلى آله” في تلك الظروف، وما حققه الله على يديه من نتائج، هي في غاية الأهمية، والنجاح الذي تحقق، ومستوى التغيير الذي امتد في أنحاء المعمورة، والتطورات الكبيرة المتلاحقة التي سقطت بها امبراطوريات ودول كبرى آنذاك، كل ذلك يمثِّل درساً مهماً جداً وكبيراً يجب استيعابه والاستفادة منه.