الصمود حتى النصر

داعش وبلاك ووتر .. لماذا وكيف اجتمعـا في اليمن؟

تحليل / عبد الله علي صبري

تشهد المنطقة العربية صراعات دامية طالت نسبياً، وتعمقت بفعل التدخلات الخارجية التي بلغت ذروتها في 2003، حين أقدمت أمريكا على احتلال العراق تحت ذرائع انكشف زيفها فيما بعد، ولكن بعد فوات الأوان، حيث كان مشروع الشرق الأوسط الكبير قد دخل سكة التنفيذ تحت عنوان “الفوضى الخلاقة”، والتبشير بربيع ديمقراطي يقوم على أنقاض الفوضى والاحتلال، بالتماشي مع المشروع الصهيوأمريكي بالمنطقة، وضمان أمن اسرائيل، وتدفق النفط الرخيص إلى أمريكا والدول الكبرى.

وعاشت العراق ولا تزال مخاضاً داميا في ظل صراع المشاريع الداخلية وتغلغل النفوذ الأمريكي، الذي وجد نفسه مرغماً على الانسحاب العسكري المباشر، لكن بعد أن أثخن بلاد الرافدين بجراح غائرة وانقسامات طائفية وأثنية حادة وصولا ً إلى تهديد وحدة الأراضي العراقية في ظل سيطرة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على جزء كبير من أراضي سوريا والعراق.

البداية

قبل داعش كانت واشنطن قد استخدمت شركات الحماية الأمنية الخاصة في إطار زعزعة أمن العراق وتأجيج الصراع السني-الشيعي بين ابنائه، بل وتفجير المنطقة برمتها على وقع ما حدث ويحدث في العراق.

ففي 2003، وفي ظل الاحتلال الأمريكي استعان الحاكم العسكري للعراق بول بريمر بشركات الحماية الأمنية الخاصة ومنحهم الحصانة ضد أية ملاحقة، وبناء عليه حصلت “بلاك ووتر” على عقد بقيمة 27.7 مليون دولار، وتعاقدت الشركة مع (فرسان مالطا) المشبوهين، واستقدمتهم لتأمين حماية منشآت الاحتلال، وللقيام بالأعمال القذرة ومن بينها قتل المواطنين العراقيين، وإحالة تلك الجرائم إلى الصراع الطائفي الذي أنعشته سياسات واشنطن ووسائل الإعلام الغربية والعربية التي تدور في فلكها.

لم تتحقق الأهداف الأمريكية على النحو المطلوب في العراق، وفي ظل الأشهر الأولى لولاية اوباما كان واضحا أن السياسية الأمريكية تتجه نحو الانسحاب العسكري من العراق وأفغانستان، وإذ تحقق الانسحاب الأمريكي العسكري من العراق في 2011م، فإن هذا العام نفسة كان فاتحة متغيرات دراماتيكية، سمحت للبيت الابيض بالعودة إلى المنطقة على جناح الربيع العربي ذي الصبغة الإخوانية، واتجهت الأيادي الأمريكية إلى العبث بوضع سوريا بزعم دعم الثورة الشعبية.

وكشف الكاتب العربي الشهير محمد حسنين هيكل أن لبلاك ووتر دوراً في الأحداث الدامية التي عرفتها سوريا منذ 2011م، ولا تزال. موضحاً أن ستة آلاف من عناصر الشركة كانوا يعملون داخل وخارج سوريا.

وقال هيكل في حديث صحفي أن «بلاك ووتر» – الشهيرة بتاريخها الخفي والدامي – لبيع خدمات السلاح موجودة – وإن باسم جديد – حول «سوريا» وفى داخلها أيضا، مشيراً إلى إن الحملة على «سوريا» مُضافا إليها الحملة على «إيران» توشك أن تحول الصراع الرئيسي في الشرق الأوسط من صراع عربي إسرائيلي، إلى صراع سنى شيعي وتلك فتنة أخرى في دار الإسلام نفسه وفى قلبه، و خطيئة كبرى، حسب تعبيره.

وبالإضافة إلى دورها في العراق وسوريا، قالت مصادر صحفية أن بلاك ووتر سعت مستخدمة ما لديها من جماعات ضغط، لكي تحصل على عقود في إقليم دارفور بالسودان لتعمل كقوة سلام، وفى مسعى من الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لتمهيد الطريق أمامها للبدء في مهمة تدريبية هناك، قام برفع العقوبات عن الجزء المسيحي من جنوب السودان. حيث أشار ممثل إقليم جنوب السودان في واشنطن إلى ذلك, على أن تبدأ شركة “بلاك ووتر” أعمالها في تدريب قوات الأمن في جنوب السودان.

داعــش اللاعب الجديد

في خضم الأحداث الأخيرة توارت بلاك ووتر عن المشهد مؤقتاً، لتفسح الطريق أمام لاعب جـديد يستخدم نفس أساليبها المتوحشة، ويخدم ذات الأجندة لكن بغطاء إسلامي.

تأكيداً على ذلك يذهب الدكتور خيام محمد الزعبي إلى إن الولايات المتحدة وبعد انسحاب قواتها من العراق تعرضت إلى انتقادات شديدة من جانب إسرائيل واللوبي الصهيوني، لخشتيها من استعادة العراق لدوره، وإعادة بناء جيشه، فكان الدافع باتجاه تقسيم العراق، دون التورط بتدخل عسكري مباشر على الأرض، واختيرت “داعش” للقيام بهذا الدور بتمويل غربي حتى تطمئن إسرائيل وتزيل عن كاهلها الخوف من الجيش العراقي.

ويكشف الزعبي عن الألاعيب الأمريكية والأوروبية التي ساعدت داعش على التمدد في الأراضي العراقية والسورية، تمهيداً لتقسيم وتجزئة العراق الذي يفضي إلى سقوطها في قبضة الاحتلال الغربي مرة أخرى. وخلص إلى القول: إن العراق، الذي بات يغرق في العنف والفوضى، التي تمارسها المليشيات المسلحة والجماعات المرتزقة، في ظل الفوضى غير الخلاقة لن تنتج سوى مزيداً من العنف والموت والدمار والخراب، وهنا لا بد من القول إن ما جرى في المنطقة وما يزال هو مصلحة أمريكية إسرائيلية بالدرجة الأولى وإعادة ترتيب جديد للمنطقة.

بلاك ووتر في اليمن

نظرا لاشتهارها بالأعمال القذرة واجهت بلاك ووتر كشركة أمنية خاصة مشكلات قانونية، اضطرتها للبحث عن ملاذ آمن لاستئناف أنشطتها. وهذا ما حدث بالفعل، حينما تعاقدت الشركة مع الحكومة الإماراتية، التي كلفت الشركة بتشكيل قوة سرية من المرتزقة. وللتغطية على سمعتها السيئة قامت في عام 2010 بتغيير اسمها إلى XE .

ووفقا لما ذكرته ” نيويورك تايمز” فإن الشركة تلقت 529 مليون دولار لتشكيل قوة سرية من المرتزقة مؤلفة من 800 عنصر أجنبي للقيام مهام خاصة داخل الإمارات وخارجها، وحماية أنابيب النفط، وناطحات السحاب، ومساعدة الإمارات على التصدي لأي تهديد داخلي أو خارجي. ويقدر راتب المقاتل 150 دولار في اليوم الواحد. وحسب وضع الأعمال التي تقوم بها الكتيبة فإن راتب المقاتل يرتفع عند مشاركته في القتال ليصل إلى 1000 دولار أمريكي يوميا.

وفي ظل العدوان السعودي الأمريكي على اليمن والمشاركة الإماراتية في العدوان وفي غزو البلاد، ظهر مرتزقة “بلاك ووتر” تحت مسمى جنود كولومبيين. وتعتبر كولومبيا مركزاً محورياً في استقطاب مجندي “بلاك ووتر” وتدريبهم بحكم النفوذ الأميركي في هذا البلد الذي يصفه الكثير من المتابعين بأنه “إسرائيل أميركا اللاتينية”.

ولجأت قوات العدوان إلى استجلاب مرتزقة من الخارج في الحرب على اليمن بعد أن فشلت ومرتزقتها في الداخل في تحقيق انتصارات ميدانية أمام صمود وبسالة الجيش واللجان الشعبية.

وإضافة إلى الهجمات النوعية التي أردت بالمئات من القتلى في صفوف الغزاة، فإن توشكا 2 بباب المندب أصاب مختلف المجاميع الغازية لليمن، فاختلط الدم الأمريكي والإسرائيلي بالسعودي والإماراتي والمغربي.

خطاب قائد الثورة

وقد اشار إلى هذه الحقيقة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، مؤكدا أن النموذج اليوم القائم والموجود في عدن وفي أبين وفي لحج يؤكد أن الأَمريكي والإسرائيلي والسعودي، قد جلبوا داعش والقاعدة إلى عدن، في إطار الفوضى العارمة والغالبة على كُلّ شيء.

وأوضح قائد الثورة الشعبية إن دور داعش والقاعدة في منطقتنا العربية هو أن تقوض كُلّ الكيانات القائمة، وأن تضربَ الأُمَّــة، وتهيئتها للاحتلال المباشر من قبل أمريكا واسرائيل.. وقال: هذا هو دورُ داعش والقاعدة وهذا ما يراد لها، ولذلك رأينا ما يريده أولئك في بلدنا.. بلاك ووتر الأَمريكية هي وجه أَمريكا وهي إرَادَة أَمريكا وهي مشروع أَمريكا مع داعش والقاعدة في اليمن وفي البلدان العربية.

مضيفاً في خلاصة عميقة: إن من أهم ما نستفيده من حقيقة الأحداث، أنه في باب المندب في ضربة التوشكا في ضربة ذلك الصاروخ امتزج هناك الدمُ الأَمريكي وَالإسرائيلي والسعودي وكذلك الإمَارَاتي والداعشي والقاعدي.. هناك كانوا جَميْعاً مجتمعين في خندق واحد في مشروع واحد في اتجاه واحد، واختلط ذلك الدم لِأَنهم جَميْعاً شيءٌ واحدٌ وتوجه واحد وكلهم يخدمون مشروعاً واحداً.