الصمود حتى النصر

ميلاد سيد المخلوقات.. عام استثنائي فلنجعل منها مناسبة استثنائية

جمال الظاهري

[email protected]

من أحيا سُنتي فقد أحياني، وَمن أحياني كان معي في الجنة صلوات ربي وسلامة عليك يا سيدي يا رسول الله.

الحمد لله على ما قضى وعلى ما أعلن وأخفى.. الحمد لله الذي اصطفى من خلقه هادينا ونبينا واصطفاه لتبليغ رسالته تكريما له ولنا وإعلاء لشأن أمة محمد الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم..

الحمد لله الذي أنزل إلينا شرعةً وَمنهاجاً، وَأخرجنا من الظلمات إلى النور، وَأمرنا بالاقتداء بهدي النبي الأعظم محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وَآله وسلّم) فإنه أفضل الهدي، والاستنان بسنته فإنها أهدى السنن.

ليس خافياً على أحد في هذه الأيام أن الكثير من السنن قد اختفت أو تم تغييبها بقصد وبدون قصد، والكثير منها هُجرت بفعل السياسة، وتنفيذاً لإملاءات احلاف وأطراف لا علاقة لها بالدين الإسلامي.. بل وبعضها عدوٌّ تأريخي لا يخفي عداوته للأمة المحمدية ويسعى بكل السُّــبل لطمس وتحريف الكثير من هدي نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام بعد أن عجز عن تحريفِ كلام الله الذي تكفل الخالق بحفظه، فكانت السنة والتفسير هي أهم المنافذ التي أمكنه من خلالها خلق الشقاق والاختلاف والصراع بين الأُمَّــة الواحدة.

كثيرٌ من سنن رسول الله أصبحت مهجورةً، بل أكثر المسلمين استبدلها بما هو أدنى منها، قال سبحانه (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) البقرة آية 61، وَقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله وَالرسول وَتخونوا أماناتكم وَأنتم تعلمون) الأنفال آية 27، وَيكاد من طلب السنن وَالآداب وَالمستحبات لا يجدها إلا في أمهات الكتب ومصادر محدودة، وَفيها ما هو

صعب على كثير من الناس، في مفرداته وجُمَله وَمقاصده، فكان لا بد من اختيار بعض ما تيسر، مع شيء من التوضيح، مع محاولة خجولة لتجربة أولى، نأمل أن تتبعَ بأخواتها، إحياءً لسنة الحبيب المصطفى (ص): ” من أحيا سنتي فقد أحياني، وَمن أحياني كان معي في الجنة “/ عوارف المعارف/ 45.

وَلا بد لمن أراد الهجرة إلى ربه تعالى، أن يتخلق بأخلاق الله وَرسوله وَسنن النبيين وَالصالحين تحصيلاً للرضا من العلي القدير واستزادة في الأجر والثواب باتباع نهج سيد الخلق (وَمن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله وَرسوله ثم يدركُه الموتُ فقد وقع أجره على الله) النساء آية 100.

تهل علينا مناسبة المولد النبوي الشريف لهذا العام في وضع استثنائي نعيشُه نحن أبناء اليمن وعدد من شعوب الأُمَّــة العربية المبتلية بجهلها وبتركها للكثير من هدي نبينا وتعاليم ديننا القرآنية.. بسبب تولينا اليهود والنصارى والمشركين واختلافنا في أمورنا الحياتية والدينية كأمة مسلمة.

مناسبةُ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف إحدى أهم المناسبات التي يفترض أن تجمع وتلملم شتات الأُمَّــة عمل الأعداء وعن طريق بعضنا كمسلمين على جعلها مناسبة للفرقة والشتات.

هذه المناسبة الغالية والعزيزة على كُلّ مسلم لارتباطها بمن طلب منا خالقنا أن نكرمه ونعلي من قدره ونباهي به، حولوها إلى مناسبة للشقاق والنزاع للأسف الشديد، وما يؤلم أكثر أن أشخاصاً محسوبين علينا كعلماء دين ومرجعيات كان لهم الدور الأكبر في هذا الخلاف.

ومع قدوم تأريخ هذه المناسبة يحتفلُ جزء من الأُمَّــة بالمناسبة وينبري جزء آخر لينكر عليهم هذا الاحتفال.. بل ويصل الأمر بالبعض إلى تكفير وقتل من يحيون هذه المناسبة، معتبرين الاحتفال وما يجري فيه من مديح وثناء واستغفار وتدارس لسيرة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وعلى آله من الشركيات والعياذ بالله.

جزءٌ من هؤلاء يغمضون أعينهم عن فوائد الاحتفاء بهذه المناسبة ويذهبون لتصيُّد بعض الأعمال المخالفة عند القلة ليسنوا السنتهم وخناجرهم ويجهزون استشهادييهم من البسطاء لقتل إخوانهم من المسلمين بلا ذنب.

فيما أن الاحتفالَ بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح ومحبة النبي صلى اللهُ عليه وآلَه وسلم، التي هي أصل من أصول الدين، التي لم ولا يستطيع أحدٌ من أولئك القول بأنه خارج أو يتصادم مع المعتقد والشرع، في حين أنه صح عن رسول الله صلى اللهُ عليه وآلَه وسلم أنه قال: “والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده”.

وهنا يطيب لي الاشارة إلى أن دار الافتاء المصرية أوضحت أن علماء المسلمين وأئمتها أجمعوا على استحباب الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بموافقتهم جميعاً، وأن يكون الاحتفال بما ذكر من تلاوة القرآن الكريم والذكر وإطعام الطعام وألا يتطرق إليه مظاهر مذمومة كالرقص والطبل وغير ذلك، ولا عبرة بمن شذ عن هذا الإجماع العملي للأمة وأقوال هؤلاء الأئمة، وليس ذلك الاحتفال بكثير على النبي صلى اللهُ عليه وآلَه وسلم.

الاحتفالُ غير المخل في أصله أمر يحث عليه ديننا على أساس أنه يدخل الفرحة والسرور فما بالك باحتفال يحفه الذكر والطاعات، وذكرى مولد سيّد الخلق نبيّنا وسيّدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم، ذكرى ميلاد أمة.

نحتفلُ بتأريخ وذكرى ميلاد أبنائنا وأقاربنا وبتأريخ تولي عروش لأنظمة وملوك ولا أحد وبالأخص من أولئك ينتقد أو يندد بما يتخلل تلك الاحتفالات من منكرات أو بذخ وتبذير بأموال الشعوب، وحين يصل الأمرُ إلى ذكرى كانت فاتحةَ الهداية للأمة المحمدية تقودُ الدنيا ولا تقعد.. يا سبحان الله – ذكرى ميلاد أمة بأكملها، وميلاد إنسان جاء ليتمم مكارم الأخلاق ويسقط ويحارب الرذائل والأفعال المستهجنة والقبيحة والضارة بعواقبها على البشرية.

الميلاد هو البعث الأول للإسلام، ونزول الرسالة والوحي هي البداية التجهيز حامل الرسالة التي ستنتقل من الخاص إلى العام، والتبليغ المرحلة الأشمل التي تحتاج للعزم والصبر والمجالدة، فكما نزل قرآننا على فترات ومجزّءً كان إعداد نبينا أيضاً على مراحل لكي يحمل الرسالة وأعبائها.

بعثه الله عز وجل ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى المعرفة وإعمال العقل والاستعانة بالعلم.. من البغض والكره إلى الحب والجمال، فكان خاتماً للأنبياء والمرسلين وحاملاً لخلاصة الهدي الإلهي الذي أنزل في كتاب شمل ما سبقه وصحّح ما دخل في الكتب السابقة

من تحريف، فكانت رسالة سيد الأولين والآخرين أقوم رسالة وتماماً لمكارم الأخلاق ونبينا عليه وعلى آله صلاة الله وسلامه هادياً ومبشراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً وقمراً منيراً.

وكما وضعنا استثنائي في هذا العام الميلادي كانت المناسبة أيضاً استثنائية حيث نحتفل بهذه الذكرى مرتين بسبب قصر السنة الهجرية عن الميلادية، فلله الحمد والمنة.