الصمود حتى النصر

ما أهمية حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي؟ وما تأثير هذا القرار على المملكة السعودية؟

الصمود||

يمثل إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية تحولًا نوعيًا لم تلجأ إليه اليمن، رغم العدوان والحصار السعودي الظالم على اليمن خلال أكثر من عشر سنوات مضت.

ويأتي هذا التطور بعد دخول اليمن مرحلة مفصلية لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال السعودي على اليمن، وبعد خطاب ثوري للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، الخميس الماضي، أكد أن اليمن لن يقبل باستمرار الحصار أبدًا، وأن المنشآت النفطية والحيوية ستكون هدفًا للصواريخ والمسيرات اليمنية إذا أقدم العدو السعودي على التصعيد الشامل.

كما يأتي البيان تتويجًا للمسيرات المليونية التي خرجت الجمعة في العاصمة صنعاء وعموم محافظات الجمهورية، لتفويض السيد القائد باتخاذ ما يراه مناسبًا لكسر الحصار المفروض على اليمن.
ويلجأ اليمن إلى استخدام الموقع الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية، مستفيدًا من الخبرة العملياتية التي اكتسبتها القوات المسلحة اليمنية خلال عمليات إسناد غزة، عندما تمكنت من فرض حصار بحري فعلي على السفن المرتبطة بالعدو الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة ميناء أم الرشراش (إيلات)، وإعلان إفلاسه وتوقف نشاطه التجاري، في تجربة تعد الأولى من نوعها في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

ويبرز هنا تساؤل هام: ما أهمية حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي؟ وما تأثير هذا القرار على المملكة السعودية؟

في الواقع، أن غالبية الصادرات من الخليج تمر عبر مضيق باب المندب، حيث يتدفق نحو 4.8 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات البترولية المكررة عبر هذا الممر المائي صوب أوروبا والولايات المتحدة وآسيا.
وبحسب الدراسات والأبحاث، فإن 21 ألف قطعة بحرية تمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب سنويًا، أي حوالي 57 قطعة بحرية يوميًا.
وتعد السعودية هي الخاسر الأكبر من هذا القرار، فدول الغرب هي السوق الرئيسية للمملكة، ومعظم ناقلاتها وسفنها تمر عبر باب المندب، وقد تضطر إلى العبور عبر رأس الرجاء الصالح، لكن الدول التي تشتري النفط السعودي من خلال عقود طويلة لن تدفع الفارق في كلفة النقل والتأمين.
ومن أبرز الأضرار المتوقعة، بناءً على المعطيات الحالية:

1. الشلل اللوجستي للمشاريع العملاقة (رؤية 2030)

تعتمد المملكة العربية السعودية بشكل كبير على ساحلها الغربي لتنفيذ مشاريعها الكبرى، مثل نيوم (NEOM) ومشروع البحر الأحمر، وإغلاق المضيق يعني:
• توقف الإمدادات: صعوبة وصول مواد البناء والتقنيات اللازمة لهذه المشاريع التي تعتمد على الخطوط الملاحية القادمة من آسيا وأوروبا.
• ضرب قطاع السياحة: تعطل خطط تحويل البحر الأحمر إلى وجهة سياحية عالمية، حيث ستتجنب السفن السياحية واليخوت المنطقة تمامًا.

2. التهديد المباشر لصادرات النفط والغاز

على الرغم من وجود بدائل، إلا أن الضرر سيكون كبيرًا:
• صادرات ينبع: تستخدم السعودية “خط أنابيب شرق-غرب” لنقل النفط من الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لتفادي مضيق هرمز. وفي حال إغلاق باب المندب، سيصبح هذا النفط “محاصرًا” داخل البحر الأحمر، ولن يتمكن من الوصول إلى الأسواق الآسيوية إلا عبر الالتفاف حول أفريقيا (طريق رأس الرجاء الصالح).
• دول الخليج الأخرى: تعتمد قطر والإمارات والكويت على المضيق للوصول إلى الأسواق الأوروبية وشمال أفريقيا عبر قناة السويس. ويعني الإغلاق زيادة تكلفة الشحن بـ 1.2 إلى 1.8 مليون دولار لكل رحلة بسبب زيادة المسافة.

3. أمن الغذاء والتضخم

تستورد دول الخليج نسبة كبيرة من احتياجاتها الغذائية والسلع الاستهلاكية عبر البحر الأحمر.
• ارتفاع الأسعار: زيادة تكاليف التأمين البحري والشحن ستنعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق المحلية الخليجية.
• سلاسل الإمداد: تأخر وصول الحاويات قد يؤدي إلى نقص في بعض السلع الأساسية وقطع الغيار الصناعية.

4. الضرر بالموانئ الاستراتيجية

• ميناء جدة الإسلامي: يُعد أكبر ميناء سعودي ومن أهم موانئ المنطقة. وإغلاق المضيق سيؤدي إلى انخفاض حاد في حركة الحاويات والمسافنة (Transshipment)، مما يفقد الميناء قيمته الاستراتيجية والاقتصادية كمركز ربط عالمي.
• ميناء الملك عبدالله: سيواجه المصير نفسه، مما يعطل طموحات المملكة في أن تصبح منصة لوجستية عالمية تربط القارات الثلاث.

5. التبعات العسكرية والأمنية

• عسكرة المنطقة: سيؤدي الإغلاق إلى زيادة التواجد العسكري الدولي (الأمريكي، والصيني، والأوروبي) في المنطقة، مما يزيد من احتمالات الاحتكاك العسكري المباشر، ويضع دول الخليج في قلب منطقة توتر دائم.
• استنزاف الموارد: ستضطر دول الخليج إلى زيادة الإنفاق الدفاعي لتأمين سواحلها ومياهها الإقليمية ضد أي تهديدات محتملة.
ويعني تعطل مضيق باب المندب، بالتوازي مع توقف مضيق هرمز، أنه سيحول الصدمة من أزمة طاقة خليجية إلى أزمة نقل عالمية، فإغلاق المضيق يعني التوجه صوب طريق رأس الرجاء الصالح، وهو طريق شاق ومتعب، ويطيل زمن الرحلة من نحو 31 يومًا إلى 41 يومًا.
كما سترتفع كلفة الرحلة الآسيوية الأوروبية ذهابًا وإيابًا لسفينة حاويات متوسطة من نحو مليون دولار عبر السويس إلى 1.7 مليون دولار حول رأس الرجاء الصالح، مع ما يستتبعه ذلك من ارتفاع أجور الطواقم والوقود والتأمين واحتمالات الاختناق في الموانئ.
وهنا تتجاوز الخسارة مجرد تأخير زمني، لأن الطرق الأطول تستهلك طاقة شحن إضافية، وتقلص عدد الرحلات الممكنة للأسطول نفسه في العام الواحد. وتوضح الأونكتاد أن تحويل السفن بعيدًا عن البحر الأحمر رفع الطلب العالمي على السفن بنسبة 3%، وعلى سفن الحاويات بنسبة 12% بحلول منتصف عام 2024، وهو ما يعني أن المسارات البديلة تولد ضغطًا إضافيًا على الطاقة الاستيعابية العالمية، وتخلق اختناقات جديدة في الموانئ، وترفع أسعار الشحن حتى قبل احتساب أثر الصدمة النفطية نفسها.
ويعتبر قرار حظر الملاحة البحرية للعدو السعودي من أهم القرارات المؤجلة، وهو يأتي الآن في الوقت المناسب، لا سيما مع العدوان الأمريكي على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، وهذا يضع الاقتصاد السعودي في كماشة، ويدفع العالم إلى المزيد من التحرك، فالأضرار ستكون كبيرة جدًا، والخاسر هي السعودية