شهادات ووثائق تكشف الدور السعودي في تخريب اليمن تحت مظلة الوصاية
الصمود||عباس القاعدي||تقرير||
يبرز الدور السعودي التخريبي لليمن منذ عقود طويلة، فقد استمر النفوذ السعودي بدرجات متفاوتة، وشكل أحد الأدوات المؤثرة في توجيه السياسات العامة للدولة، والتأثير في قرارات الحكومات والرؤساء المتعاقبين، عبر قنوات رسمية وغير رسمية كان من أبرزها ما عُرف بـ«اللجنة السعودية الخاصة».
تناول السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، في محاضراته خلال الأيام العشر من شهر ذي الحجة، الدور الهدام والخطير الذي تلعبه اللجنة السعودية الخاصة، حيث اعتاد النظام السعودي عبرها على تسيير شؤون اليمن والتحكم في تفاصيلها الدقيقة.
وتعمل هذه اللجنة على إنفاق أموال طائلة لشراء الذمم، وإشعال الصراعات والفتن، وتخريب الضمائر، وإفساد المؤسسات، بهدف إبقاء البلاد غارقة في الفوضى والفقر والحاجة والتخلف، بما يسهل السيطرة عليها وإخضاعها بشكل دائم، ولهذا، فإن اللجنة الخاصة السعودية تمثل أحد أخطر أدوات آل سعود لفرض الوصاية على اليمن، وسلب قراره والتحكم فيه دون وجه حق.
وعلى الرغم أن أدبيات ومبادئ ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وكذلك الدستور اليمني، تؤكد جميعها على الاستقلال، وأن الشعب اليمني هو من يحكم نفسه بنفسه وهو صاحب القرار، كما يحظر الدستور أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية بأي شكل من الأشكال، إلا أن مرتزقة السعودية القاطنين في الرياض الذين هم بلا قرار، وبلا كرامة، ومسلوبو الحرية والإرادة، يرفضون ذلك قطعاً، ويعتبرون هذا الكلام مجرد وجهة نظر، وأبرز دليل على ذلك حديث وزير دفاع المرتزقة بشأن لجنة الوصاية الأجنبية الخاصة.
ويبرر وزير دفاع المرتزقة الوصاية الأجنبية ويقول إن اليمن هو أمن قومي سعودي، وأنه لا يستطيع أحد أن يقدم دعماً أو تواصلاً مع اليمن، سواء سياسي أو عسكري أو أمني، أو في أي مجال، إلا عبر السعودية ومن خلال النافذة السعودية، وبموافقة السعودية، وهذا هو اليمن الذي تريده السعودية، وتريده أمريكا.
ووفقاً لقناعة المرتزقة بهذا المفهوم، فإن هؤلاء المسؤولين المقيمين في فنادق الرياض مجرد واجهة لتجميل أو إخفاء حقيقة ما تمارسه السعودية من انتهاك ومن عبث، ومن تدمير ممنهج لليمن، ومن تخريب الحاضر والمستقبل، وتشويه الماضي من خلال ما سمي باللجنة السعودية الخاصة، التي تعتبر هيئة أمنية وسياسية وعسكرية سعودية عليا، أُنشئت لإدارة الملف اليمني حصراً، منذ أن تأسس في ستينيات القرن الماضي وتحديداً عقب ثورة 26 سبتمبر 1962م.
وتتلخص أهداف هذه اللجنة في احتواء المشهد اليمني، وضمان عدم صعود نظام سياسي في صنعاء يتمتع باستقلالية كاملة أو يتبنى أيديولوجية قد تشكل تهديداً للمملكة، وصناعة نفوذ موازٍ للدولة، من خلال كسب ولاءات شيوخ القبائل، والقادة العسكريين، والسياسيين، والحزبيين عبر المال، لضمان امتلاك أوراق ضغط قوية ومباشرة داخل البنية اليمنية تستطيع تحريكها في أي وقت، وكذلك إبقاء اليمن تحت السيطرة، وجعل اليمن في حالة من “الضعف المستقر” أو التوازن الهش لا يقوى لدرجة تشكيل خطورة، ولا ينهار لدرجة التسبب في فوضى على الحدود.
وتمارس اللجنة أدواراً متشعبة ومؤثرة في صياغة التاريخ اليمني منذ الستينيات، من خلال شراء الذمم والولاءات “اعتماد الكشوف المالية” حيث اعتمدت اللجنة ميزانيات ضخمة ضُخت لعقود كمرتبات شهرية ومخصصات تُسلم لآلاف الشخصيات اليمنية النافذة من مشايخ قبليين، وقادة عسكريين، ومسؤولين حكوميين، وإعلاميين.
وتستخدم اللجنة لإثارة الصراعات والفتن، وعمدت على تقوية نفوذ القبيلة على حساب مؤسسات الدولة الإدارية والعسكرية، وكذلك التدخل في التعيينات والسياسات، حيث كان للجنة كلمة الفصل غير المعلنة في تعيين الوزراء، المحافظين، وقادة الألوية العسكرية، وتوجيه السياسة الخارجية والداخلية لليمن بما يتوافق مع الرؤية السعودية.
وأُحيطت اللجنة بسرية بالغة، واعتُبرت ملفاً سيادياً من الدرجة الأولى، وتولى الإشراف عليها كبار أمراء العائلة الحاكمة، منهم سلطان بن عبد العزيز، الذي يعتبر الأب الروحي والمهندس الفعلي للجنة الخاصة؛ حيث أدارها لقرابة أربعة عقود (منذ الستينيات وحتى وفاته في 2011) كرئيس للجنة، وبحكم منصبه كوزير للدفاع والمفتش العام، وفي عهده توسعت “كشوفات اللجنة” وضُبطت توازنات القوى في اليمن بدقة.
وتولى نايف بن عبد العزيز الإشراف على الملف اليمني لفترات متقطعة، وبحكم قيادته لوزارة الداخلية ومجلس تنسيق العلاقات ومكافحة الإرهاب، وصولاً إلى المعتوه محمد بن سلمان (ووزارة الدفاع الحالية) ومع تغيير موازين القوى وانطلاق العدوان على اليمن عام 2015، انتقلت إدارة الملف اليمني إلى جيل جديد تحت قيادة وزارة الدفاع السعودية وبآليات اختلف شكلها التنظيمي لتتحول إلى غرف عمليات عسكرية وسياسية مباشرة تقود ما يُعرف اليوم بـ “التحالف” وحكومة المرتزقة.
وأسست السعودية “اللجنة الخاصة” للتعامل مع اليمن بدلاً عن العلاقات الدبلوماسية الرسمية، التي تتمثل في تعامل الدول فيما بينها وفق القانون الدولي عبر السفارات والوزارات الدبلوماسية الرسمية، لكن الرياض استثنت اليمن بإنشاء هذه اللجنة للأسباب التالية، منها تجاوز قيود القانون الدولي؛ لأن العمل الدبلوماسي الرسمي يفرض عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة الدول، أما “اللجنة الخاصة” فكانت جهازاً استخباراتياً وسياسياً يتجاوز الأعراف الدبلوماسية ليخترق العمق اليمني، ويتعامل مباشرة مع مراكز القوى (كالمشايخ والأفراد) بمعزل عن وزارة الخارجية والبروتوكولات الرسمية.
وتنظر السعودية لليمن باعتباره ملفاً أمنياً داخلياً، وليس دولة، لذا تتعامل المملكة مع بلادنا من منظور “الأمن القومي اللصيق؛ لأنها رأت أن القنوات الدبلوماسية التقليدية بطيئة وغير كافية لضبط وتوجيه الأحداث المتسارعة في بلد يمتلك حدوداً برية طويلة معها.
ويوضح الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر في مذكراته، أن السعودية لم تكن تدير الملف اليمني عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية والمعروفة بين دول العالم بواسطة وزارة الخارجية، وإنما كان التعامل مع هذا الملف محصوراً في مكتب الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع والطيران السعودي السابق ورئيس اللجنة السعودية الخاصة.
وتتبع هذه اللجنة الخاصة مجلس الوزراء السعودي، حيث أُنشئت في سبتمبر عام 1962 (أي منذ 64 سنة تقريباً)، وكانت مهمتها تتمثل في تقديم الدعم المالي والعسكري للملكيين في ذلك الوقت ضد الجمهوريين، واستمر هذا الأمر لمدة خمس سنوات، ولكن بعد انتهاء الحرب الأهلية والصراع في ذلك الحين، تحول هذا الدعم من دعم مالي وعسكري إلى دعم استخباراتي.
وجعل هذا التحول الرياض لاعباً أساسياً في الشأن اليمني، وتمكنت خلال تلك السنوات الخمس من تكوين قاعدة بيانات كبيرة تهتم بالشخصيات اليمنية؛ ولذلك فإن للجنة السعودية الخاصة دوراً كبيراً في التحكم باليمن وإخضاع الشخصية اليمنية.
ويبرز الهدف المحوري للسياسات السعودية تجاه اليمن في إبقائه في حالة دائمة من الضعف، والفقر، والتبعية، والتخلف، وفي سبيل تحقيق ذلك، فتحت الرياض أبوابها لكل من باع ضميره من القادة، والنخب، والشخصيات الاعتبارية، ليكونوا معول هدم داخل وطنهم.
وبموجب هذا الارتزاق، تقاضت تلك الشخصيات رواتب ومخصصات مالية من “اللجنة السعودية الخاصة” كأجرٍ لقاء تدمير اليمن، والمساهمة المباشرة في تفكيك بنيته المجتمعية، والثقافية، والسياسية، والعسكرية، والأمنية، وحتى القبلية.
وعبر بوابات هذه اللجنة، جرى قضم وتآكل السيادة اليمنية بشكل ممنهج خلال تلك العقود، حتى تحولت البلاد بكل أسف إلى مجرد حديقة خلفية للمملكة جراء التدفق المالي الموجه لشراء ولاءات بعض الشخصيات العميلة، وقد رافق هذا الضخ المالي إذلالٌ متعمد للشخصية اليمنية من خلال ترسيخ ثقافة التبعية المطلقة للجنة الخاصة، حيث أضحى الكثير من المسؤولين السابقين والنخب يُستدعون إلى السعودية في مختلف المناسبات العامة، أو لأداء مناسك الحج والعمرة، ليحظوا بـ “تكريم” وامتيازات مهينة مقابل أدوارهم.
وشملت حزمة الامتيازات الممنوحة لرموز التبعية تسهيلات واسعة، منها إقامات خاصة وعابرة للحدود، تتيح لهم دخول الأراضي السعودية في أي وقت يشاؤون، وامتيازات فندقية وتذاكر طيران، لتأمين إقامتهم وتنقلاتهم الترفيهية، والمنح والمخصصات السنوية والتي تُعد، على كثرتها، مبالغ زهيدة وقليلة جداً إذا ما قيست بحجم التدمير والتخريب الشامل الذي أحدثه هؤلاء المرتهنون في بنيان اليمن ومستقبل أجياله.
وبعد انتصار ثورة 21 سبتمبر 2014م بدأت اللجنة السعودية الخاصة بشراء الذمم وتوسعت لكي تحتوي جميع الأطياف السياسية الموجودة، وإن كان التركيز ينصب في البدايات على القيادات القبلية أو على المشايخ، ثم توسع هذا الأمر واحتوى الكثير من القيادات العسكرية، ثم القيادات أو الشخصيات السياسية.
ويشير الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في مذكراته إلى أن ما سماه التفاهمات في القضايا الكبيرة، وحل الخلافات السياسية والأمنية، وحتى أزمات الحدود، كانت تمر عبر اللجنة السعودية الخاصة مباشرة بالتعاون، كما قال، مع المسؤولين في هذه اللجنة، ومنهم القائم بأعمالها المكلف أو المعاون للأمير سلطان في ذلك الوقت، واسمه محمد بن إبراهيم الحديثي.
وإذا كان ما سبق عبارة عن تعريف باللجنة الخاصة، وأهدافها، ووظيفتها، وتاريخ تأسيسها، فإنه يوجد شواهد على عمل هذه اللجنة السعودية الخاصة، بلسان شخصيات ومسؤولين يمنيين تعاملوا معها، لا سيما في الفترات الأخيرة منذ بداية العدوان على اليمن، وأولئك الشهود هم من مرتزقة السعودية نفسها.
ويكشف رئيس جهاز الأمن القومي قبيل ثورة 21 سبتمبر علي الأحمدي عن كواليس تعامله مع الجانب السعودي عقب مغادرته صنعاء برفقة 800 عنصر من منتسبي الجهاز، ويتلخص حديثة في المساومة على البيانات، حيث أنه عند مطالبته بصرف مرتبات هؤلاء العناصر، اشترطت السعودية تسليم “كشوفات الأسماء” كاملة.
وأدرك الأحمدي أن الهدف الحقيقي وراء هذا الاشتراط هو اختراق أسرار الجهاز والوصول إلى وثائقه الحساسة مقابل “فتات المال”، فرفض تسليم الكشوفات حمايةً للأمن القومي وحفاظاً على حياة الأفراد وعائلاتهم، بالإضافة إلى سياسة التهميش، وهي نتيجة لهذا الرفض، حيث واجه الأحمدي وتلك القوة تجاهلاً تاماً من قبل السلطات السعودية، في تعارض واضح مع الشعارات التي يروج لها إعلامها.
ووفقاً لشهادته، تعتمد اللجنة الخاصة في تعاملها مع الملف اليمني على محددات واضحة، أبرزها الولاء المطلق أو الحرمان، فالمعادلة لدى اللجنة الخاصة واضحة؛ إما الخضوع الكامل لتوجيهات الإدارة والعمل كموظف تنفذ وتتابع لها ليتم الصرف لك، أو الحرمان التام من أي دعم مالي.
وتُظهر الشهادات والوقائع الحالية، ومنها ما ورد على لسان رئيس جهاز الأمن القومي السابق علي الأحمدي المحسوب على سلطة المرتزقة، طبيعة المعايير التي تحكم تعامل “اللجنة الخاصة” السعودية مع الأطراف اليمنية.
ولا تقوم هذه السياسة على دعم العمل المؤسسي أو استقرار البلاد، بقدر ما ترتكز على إشعال الفتن وإدارة الأزمات عبر مسارين متوازيين، الأول إفساد الذمم وتمويل الفتن المجتمعية، واستهداف النسيج الاجتماعي، حيث ترفض السعودية صرف مرتبات العناصر النظامية أو دعم المؤسسات الرسمية، بينما تضخ أموالاً وميزانيات ضخمة لصالح جهات وشخصيات قبلية معينة؛ والهدف من وراء ذلك هو إفساد الضمائر وشراء الولاءات الرخيصة لضرب الاستقرار الداخلي، وإقلاق السكينة العامة.
وتسعى الرياض من خلال هذا التمويل المشبوه إلى إشعال الصراعات القبلية وبث الفتن داخل القرى والمدن والمجتمع اليمني، لضمان بقاء الجبهة الداخلية في حالة اقتتال دائم واضطراب مستمر.
أما المسار الثاني، فتتمثل في التمويل العسكري مقابل تجويع المواطنين، ويتجلى التناقض الصارخ للسياسة السعودية اليوم في مقارنة بسيطة بين التمويل العسكري والوضع الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرتها، حيث تقوم بضخ مالي مستمر وسخي لتمويل المرتزقة وتجهيزهم في مواقع مثل مطرح الريان وغيرها لخدمة الأجندة السعودية، في مقابل أن السعودية ترفض دفع أي مبالغ لضمان استمرار خدمة الكهرباء وتوفير الوقود لتخفيف معاناة المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحتلة، وقطع رواتب الموظفين وحتى بعض المرتزقة، كأداة للضغط والتطويع، وبالتالي فإن الهدف الحقيقي للنظام السعودي ليس مساندة اليمنيين أو تحقيق الاستقرار، وإنما استخدام المال كأداة لضرب السكينة العامة، وتمويل مشاريع الفتنة، مقابل حرمان المواطنين في المحافظات المحتلة من أبسط مقومات الحياة كالكهرباء والمرتبات.
وتؤكد شهادة الأحمدي أن الاستراتيجية السعودية في اليمن لا تستهدف بناء دولة أو دعم مؤسسات مستقرة، حتى وإن كانت خاضعة لإمرتها، بل ترتكز على تهميش الهياكل الرسمية لصالح منظومة شراء الولاءات الفردية وإفساد الذمم.
وتتجلى هذه السياسة القائمة على إدارة الفوضى من خلال تجاوز الأطر الرسمية، التي تعمدت “اللجنة الخاصة” السعودية تخطي ما يسمى بالحكومة والرئاسة، عبر التواصل والدعم المالي المباشر للشخصيات والمشايخ كأفراد، تحجيمًا لأي دور مؤسسي، وتحكم هذه اللجنة بالملف اليمني وإدارته بعقلية المندوب السامي، ومعيار الدعم وسفك الدماء، وهذا جاء في رد حاد على شكوى الأحمدي من تقديم الدعم لحزب الإصلاح على حساب مؤسسات الدولة، حين أكد رئيس اللجنة الخاصة صراحةً: “ما حد يقاتل إلا الإصلاح والسلفيين”.
ويلخص هذا الرد حقيقة الموقف السعودي، حيث يرتبط تدفق المال والميزانيات بمدى قدرة الأدوات والوكلاء على تنفيذ الأوامر المباشرة، وإشعال الحروب الأهلية، والتحريض على الصراعات الداخلية وسفك دماء اليمنيين.
وتُظهر الرسائل غير المباشرة التي كان يوجهها الخائن “عفاش”، للجنة الخاصة السعودية حقيقة الصراع المحموم بين أقطاب النظام السابق والمرتزقة على كسب الأموال وصرف المخصصات؛ حيث كان يحذر الرياض من أن حزب الإصلاح وبقية الفصائل يخدعونها بتقارير مغلوطة وكاذبة بهدف الاستحواذ على المال.
وتكشف هذه الوقائع طبيعة البيئة السياسية التي تحكمت في المشهد اليمني من خلال المال الذي كان كغاية مطلقة، لدى العملاء، وكان عفاش على دراية كاملة بأساليب مرتزقة الإصلاح وأتباعه، وبأساليب رجاله وأسلوبه هو شخصياً؛ حيث كان جمع المال وتأمين مخصصات اللجنة الخاصة يمثل الغاية الأسمى لديهم جميعاً، بغض النظر عن مصدره، وحتى لو كان ذلك على حساب سيادة البلد ومصالح الشعب.
وتضع شهادة صادق الأحمر، والأرقام التي أوردها العامري، النقاط على الحروف بشأن طبيعة النظام الذي حكم اليمن لعقود؛ حيث تكشف هذه الحقائق أن معظم قادة الدولة وكبار مسؤوليها وشخصياتها الاجتماعية كانوا، في الجوهر، موظفين يتقاضون رواتب ومخصصات شهرية مباشرة من رئيس “اللجنة الخاصة” السعودية.
وكان رئيس الجمهورية الأسبق الخائن عفاش يمثل واجهة الحكم ورئيس البلاد “شكلاً” في التلفزيون ونشرات الأخبار، بينما كان في الواقع الفعلي يخضع لتراتبية الوظيفة والتبعية لرئيس اللجنة الخاصة السعودية.
وتشير الأرقام إلى أن السعودية كانت تمنح مرتبات ومخصصات شهرية ما يقارب 36 ألف ريال سعودي لكل شخصية من مسؤولين وقادة ومكلفين، وهذا الضخ المالي الضخم كان يتم بالكامل خارج قنوات مؤسسات الدولة والنظام والحكومة في صنعاء، مما سمح للجانب السعودي بالتحرك والتحكم في مفاصل البلد وكأنه “صاحب البيت”.
وفي الوقت الذي كانت تتدفق فيه الأموال لشراء ذمم وثراء هذه الفئة، كان الشعب اليمني يرزح تحت وطأة الإفقار والتجويع؛ إذ ركزت السياسة السعودية على إمساك القرار اليمني عبر هؤلاء الوكلاء لتطويع وإخضاع المجتمع ككل، وبالرغم من الرتب العسكرية الكبيرة، والنياشين، وألقاب “الفخامة” التي حملها الرؤساء والمسؤولون آنذاك، إلا أنهم لم يكونوا سوى تابعين ومأمورين لتنفيذ الأجندات الخارجية.
وتلخص هذه المنظومة الممتدة استراتيجية واضحة؛ وهي العمل الممنهج على إضعاف اليمن، وضرب بنيته الداخلية، والحيلولة دون تأسيس دولة وطنية حقيقية ونظام حكم قوي يجسد إرادة اليمنيين وتطلعاتهم في الحرية والسيادة كبقية شعوب العالم.
وترتكز استراتيجية النظام السعودي تجاه اليمن على إضعاف الدولة منذ عقود من خلال دعم كيانات وشخصيات ورموز قبلية وتحويلها إلى قوة موازية للسلطة، وقد تسبب التدفق السنوي والشهري للأموال السعودية، والتي تراوحت مخصصاتها للشخصيات التابعة ما بين 25 إلى 40 ألف ريال سعودي، في إنهاك اليمن، وهي حقائق يدركها معظم اليمنيين من سياسيين، وإعلاميين، ومثقفين، وعلماء.