ثقافة القرآن.. المنهج الذي يبني الإنسان ويصنع أمة العزة والقيم
الصمود||تقرير|| علي زيد
يشكل القرآن الكريم في فكر الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي المنطلق الأساس لبناء الإنسان وصناعة الأمة، فهو المصدر الأصيل للمعرفة والهداية والتزكية، والمنهج القادر على صناعة جيل واعٍ يمتلك البصيرة والحكمة والقوة لمواجهة التحديات وصناعة النهضة. ومن هذا المنطلق، يؤكد الشهيد القائد أن أي مشروع ثقافي أو تربوي لا يستند إلى القرآن الكريم يظل عاجزًا عن بناء أمة قوية ومتماسكة قادرة على استعادة دورها الحضاري.
وفي إطار دروس من هدي القرآن الكريم ضمن “ملزمة الثقافة القرآنية”، يدعو الشهيد القائد إلى أن تكون الثقافة القرآنية عنوانًا رئيسيًا للتعلم والتعليم والإرشاد، موضحًا أن تعلم القرآن لا ينبغي أن يقتصر على التلاوة أو الحفظ بالشكل التقليدي، بل يجب أن يمتد إلى فهم معارفه واستيعاب هداياته وقيمه ومفاهيمه الشاملة للحياة. فالقرآن الكريم ليس كتابًا محدود المعاني، وإنما بحر واسع من العلوم والمعارف، ومنهج متكامل لصناعة الإنسان المؤمن الواعي الذي يمتلك القدرة على التمييز بين الحق والباطل، ويستمد منه أسباب العزة والكرامة والثبات.
ويؤكد الشهيد القائد أن الأمة عندما تجعل القرآن محور ثقافتها ومنهج حياتها تستعيد القيم الكبرى التي تحفظ كرامتها وتصنع نهضتها، كالعزة والشجاعة والعدل والكرامة والتضحية والإحساس بالمسؤولية. وهي القيم التي أدى غيابها وتراجع حضورها في واقع الأمة إلى ما تعانيه اليوم من ضعف وتراجع وتفكك، الأمر الذي يجعل العودة إلى الثقافة القرآنية ضرورة ملحة لإحياء روح الأمة واستعادة مكانتها ودورها.
القرآن مصدر التزكية وبناء الشخصية
ويؤكد الشهيد القائد أن الثقافة القرآنية لا تمنح الإنسان المعرفة فحسب، بل تعمل على تزكيته وتهذيب سلوكه وصناعة شخصيته المتوازنة، حيث ترتقي به إلى مستوى أرقى من الوعي والإدراك والمسؤولية. فالقرآن يصنع إنساناً حراً يرفض الظلم والخضوع، ويمنحه القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين المواقف التي تنسجم مع الفطرة الإنسانية وتلك التي تتعارض معها.
وفي هذا السياق، يحذر من اختزال العلم في كثرة الكتب أو تعدد المؤلفات، موضحاً أن المعرفة ليست بكثرة ما يقرأ الإنسان من كتب، وإنما بمدى اقترابه من الحق والهداية. فكم من الكتب قد تزرع في الإنسان الضلال والانحراف وتبعده عن فطرته السليمة، في حين أن القرآن يبقى المصدر الذي يحفظ للإنسان إنسانيته ووعيه واستقامته.
القيم الأصيلة وصناعة الأمة القوية
ويستعرض الشهيد القائد نماذج من القيم التي كانت سائدة لدى العرب قبل الإسلام، مثل الشجاعة والنجدة والكرم والفروسية والإباء ورفض الظلم، مبيناً أن هذه القيم الفطرية أسهمت في حماية المجتمعات العربية من الخضوع للقوى الخارجية، وجعلتها قادرة على الحفاظ على استقلالها وكرامتها.
ويشير إلى أن العرب كانوا يمتلكون من العزة والإباء ما جعلهم يرفضون الخضوع والاستسلام، وهو ما انعكس على قدرتهم في مواجهة الأطماع الخارجية. كما يلفت إلى أن اليهود، رغم وجودهم بأعداد كبيرة في الجزيرة العربية آنذاك، لم يتمكنوا من فرض سيطرتهم أو تحقيق أمنهم إلا من خلال التحالف مع القبائل العربية، الأمر الذي يعكس قوة المجتمع العربي وتماسكه في تلك المرحلة.
خطورة الثقافة المغلوطة
ومن أبرز القضايا التي يركز عليها الشهيد القائد التحذير من خطورة الثقافة المغلوطة التي تُفرغ الإنسان من قيمه وتدفعه إلى قبول الظلم والخضوع والاستسلام تحت عناوين دينية أو سياسية مضللة.
ويؤكد أن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الأمة هو تشويه وعيها وثقافتها، لأن الإنسان إذا تُرك على فطرته السليمة يستطيع إدراك الكثير من الحقائق، أما عندما يتعرض لثقافة منحرفة فإنها تسلبه القدرة على التمييز وتدفعه إلى تبرير الواقع الخاطئ والقبول به.
ويبين أن بعض الخطابات والثقافات تعمل على تقديم الجبن والخضوع باعتبارهما حكمة أو سياسة أو مصلحة، فيتحول الإنسان من صاحب موقف حر إلى شخص عاجز عن مواجهة الظلم أو الدفاع عن حقوقه، وهو ما يمثل الضربة القاضية للأمم والشعوب.
مشروع قرآني لصناعة الوعي
وتبرز هذه الرؤية أهمية العودة إلى القرآن الكريم بوصفه مشروعاً متكاملاً لصناعة الوعي وبناء الإنسان والأمة. فالثقافة القرآنية، كما يؤكد الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، ليست مجرد معلومات أو معارف نظرية، بل منهج عملي يعيد للإنسان فطرته السليمة، ويمنحه القوة والعزة والحكمة، ويحصنه من التضليل والانحراف.
ومن خلال هذا الفهم، يصبح القرآن الكريم أساساً لنهضة الأمة واستعادة دورها الحضاري، ومصدراً للقيم التي تعزز وحدة المجتمع وتماسكه، وتدفعه نحو مواجهة التحديات بثقة ووعي ومسؤولية، بعيداً عن ثقافات الاستسلام والخضوع التي تسعى إلى إضعاف الشعوب وسلب إرادتها.