الصمود حتى النصر

انسجام آل البيت مع القرآن.. سر تربية الأمة إيمانيًا

الصمود||تقرير|| علي زيد |

تمرّ الأمة الإسلامية اليوم بمرحلة تاريخية بالغة الحساسية، تتصاعد فيها التحديات السياسية والثقافية والاقتصادية، ويتعمّق معها الاستهداف الممنهج لهويتها وعقيدتها وقضاياها المصيرية. وأمام هذا الواقع المعقّد، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار للتربية الإيمانية بوصفها الركيزة الأساسية في بناء أمة واعية، قادرة على النهوض بمسؤولياتها، ومواجهة أعدائها بثبات، ووعي، وبصيرة.

وفي هذا السياق، تأتي دروس من هدي القرآن الكريم – في ظلال دعاء مكارم الأخلاق (الدرس الثاني)، التي ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي، لتؤكد أن كمال الإيمان ليس شأنًا فرديًا معزولًا، بل مشروع أمة ومسارًا تربويًا متكاملًا، ينعكس أثره على الموقف والسلوك والوعي، ويصنع القدرة الحقيقية على المواجهة والصمود.

 واقع الأمة وغياب التربية الإيمانية

يشير الشهيد القائد إلى مفارقة مؤلمة في واقع الأمة الإسلامية، حيث تتعرض الجاليات المسلمة في الغرب، كما حدث بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لحملات عنف وكراهية وسجن وقتل، في حين يسود في داخل أوطان المسلمين برود في المشاعر، وفتور في التفاعل تجاه ما يجري من جرائم كبرى بحق الشعوب المسلمة في فلسطين وأفغانستان ولبنان وكشمير وغيرها.

هذا الجمود في الوجدان، وما يُشبه “الأعصاب الباردة” تجاه قضايا الأمة المصيرية، ليس وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لغياب التربية الإيمانية الحقيقية التي تُنشئ إنسانًا حيّ الضمير، متفاعلًا مع آلام أمته، مدركًا لمسؤوليته تجاهها.

 الخوف من الإيمان ومن وعي الشعوب

يوضح الشهيد القائد أن كثيرًا من الحكام يدركون أهمية التربية الإيمانية والجهادية للأمة، لكنهم في الوقت نفسه يخشون نتائجها؛ لأن الإيمان الحقيقي يوقظ الشعوب، ويجعلها قادرة على محاسبة الحاكم، ورفض الظلم، والانحراف عن المسار العادل.

فالإيمان ليس مجرد شعائر، بل قوة تغيير، ومنهج حياة، ولهذا يخاف منه من يعرف حجم الهوة التي تفصله عن قيمه ومتطلباته. ومن هنا، تُعطَّل مشاريع التربية الإيمانية، ويُستبدل بها خطاب التسكين، والدعوة إلى الصمت، حتى في مواجهة أعداء الأمة الواضحين.

لا يمكن أن تحصل تربية إيمانية للأمة، إلا على يد أهل بيت رسول الله (صلوات الله عليه وعليهم)

 منهج أهل البيت في التربية الإيمانية

يؤكد الشهيد القائد أن تاريخ أهل بيت رسول الله ﷺ يمثل النموذج القرآني الأصيل في الجمع بين السلطة والتربية الإيمانية. فقد كان الإمام، وهو في موقع الحكم، يرسخ مبدأ محاسبة الحاكم، بل ووجوب الخروج عليه إذا ظلم أو انحرف، كما في مواقف الإمام الهادي عليه السلام، وغيره من أئمة الهدى.

هذا المنهج لم يكن خاصًا بمذهب أو مدرسة، بل هو مبدأ قرآني أصيل، يقوم على تربية الأمة تربية إيمانية وجهادية في كل المراحل، وفي ظل أي واقع سياسي. وقد جسّد الأئمة هذا الانسجام الكامل بين القرآن، والإيمان، والموقف العملي، دون خوف من وعي الأمة أو نهوضها.

 الإيمان والجهاد والبدائل المفقودة

يتساءل الشهيد القائد بوضوح: إذا طُلب من الأمة أن تصمت، فما هو البديل؟
هل هناك بديل للإيمان؟
هل هناك بديل للجهاد بكل مجالاته في مواجهة أعداء الأمة؟

الواقع يجيب بالنفي؛ إذ لم تُقدَّم حلول اقتصادية حقيقية، ولا مشاريع اكتفاء ذاتي، ولا برامج بناء شاملة تُخرج الأمة من حالة التبعية والضعف. بل إن ضعف الشعوب اقتصاديًا ونفسيًا وإيمانيًا انعكس مباشرة على ضعف مواقف زعمائها، الذين باتوا عاجزين عن قول كلمة حق، أو اتخاذ موقف مستقل.

العلاقة بين الإيمان والاقتصاد

يربط الشهيد القائد ربطًا وثيقًا بين كمال الإيمان والقدرة على مواجهة أعداء الله، مؤكدًا أن الأمة التي تمتلك اكتفاءها الذاتي في قوتها وحاجاتها الأساسية، تكون أقدر على اتخاذ مواقف مشرفة، وأكثر تحررًا من الضغوط والإملاءات الخارجية.

فالإيمان لا ينفصل عن بناء القوة الاقتصادية، بل يشكل دافعًا لها، وضمانة لاستثمارها في الاتجاه الصحيح، خدمةً لقضايا الأمة الكبرى.

الخاتمة

إن قراءة واعية لمسار التاريخ وواقع الحاضر تكشف بوضوح أن غياب التربية الإيمانية الأصيلة يُعدّ من أخطر أسباب ضعف الأمة وتراجعها، وأن الاكتفاء بالتركيز على الجوانب المادية والخدمية، بمعزل عن بناء الإنسان المؤمن الواعي، لا يمكن أن يفضي إلى نهضة حقيقية أو تغيير جذري في واقعها.

وتخلص الرؤية إلى حقيقة مركزية مفادها أن كمال الإيمان يشكّل الركيزة الأساسية لبناء أمة قادرة على المواجهة والصمود، وأن لا يمكن أن تحصل تربية إيمانية للأمة إلا على يد أهل بيت رسول الله ﷺ، الذين جسّدوا هذا المشروع التربوي قولًا وفعلاً، تربيةً وموقفًا، فكانوا النموذج العملي للإيمان المتكامل في كل مجالات الحياة.