التربية الإيمانية وكمال الإيمان في ضوء القرآن الكريم
الصمود||تقرير||علي زيد |
عندما تعود الأمة إلى كتاب الله الكريم، فإن القرآن لا يقدّم توجيهات نظرية منفصلة عن واقع الحياة، بل يهدي الإنسان إلى المقامات الإيمانية التي يُنال بها كمال الإيمان، ويكشف له عن النماذج والقيادات التي تتجسّد فيها هذه المقامات سلوكًا وموقفًا. وفي هذا الإطار تبرز دروس من هدي القرآن الكريم – في ظلال دعاء مكارم الأخلاق (الدرس الثاني)، التي ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي، بوصفها رؤية قرآنية عميقة تعيد الاعتبار لمعنى الإيمان بوصفه مشروعًا عمليًا في الوعي والتربية.
فالإيمان، في المنظور القرآني، ليس حالة وجدانية ولا شعارات مجردة، بل هو مسار تربية وبناء، يتطلب من ينهض بمسؤولية تربية الأمة تربية واعية، ترتقي بها في درجات الكمال، وتربطها بالله، وبقضاياها المصيرية، وبموقفها الواضح من أعداء الله.
القيادة والتربية الإيمانية في تاريخ الأمة
يُظهر التأمل في تاريخ الأمة أن مسار الحكم كان له الأثر الأكبر في صياغة وعي المسلمين وإيمانهم. فالكثير ممن تولّوا حكم المسلمين – باستثناء الإمام علي وأهل بيت رسول الله (عليهم السلام) – خرجوا عن مقتضى الإيمان العملي، وكان لذلك الدور الأبرز في إضاعة إيمان الأمة وإفراغه من مضمونه الحقيقي.
في المقابل، يبرز دور أهل البيت (عليهم السلام)، وفي مقدمتهم الإمام علي (صلوات الله عليه)، بوصفهم النموذج القرآني الأصيل في تربية الأمة تربية إيمانية حقيقية، ترفعها في مدارج الكمال، وتربطها بالقيم الإلهية الكبرى: العدل، والولاء لله، والاستعداد للتضحية في سبيل الحق.
عجز الأنظمة عن صناعة الإيمان
لقد اتضح جليًا أن كثيرًا من حكّام المسلمين، قديمًا وحديثًا، لا يمكن بواسطتهم ولا من خلال مشاريعهم السياسية والإعلامية أن تُربّى الأمة تربية إيمانية صحيحة. فالواقع يشهد – ويشهد عليه كل مواطن في العالم العربي – أنه كلما حاول الناس أن يعودوا إلى القرآن الكريم ليبنوا أنفسهم تربية إيمانية، ويعيدوا الاعتبار لمفاهيم الجهاد في سبيل الله، والبراءة من أعداء الله، والاستعداد لمواجهة الطغيان، واجهوا الخوف والقمع من السلاطين والزعماء.
وهذا يكشف أن المشكلة ليست في الدين، بل في خوف الأنظمة من الدين حين يتحول إلى وعي، ومن الإيمان حين يصبح موقفًا ومسؤولية.
تغييب فريضة الجهاد وإفراغ الإيمان من مضمونه
يُعد الجهاد في سبيل الله – كما قال الإمام علي (عليه السلام) – سنام الإسلام، وشرطًا أساسيًا من شروط كمال الإيمان. غير أن هذا المفهوم تعرّض لعملية تغييب ممنهجة في العصر الحديث، حتى بات الحديث عنه محظورًا في الخطاب الرسمي، ومغيبًا في الإعلام، ومشوّهًا في المناهج.
وقد وصل الأمر إلى استبدال مصطلح “الجهاد” – وهو مصطلح قرآني إسلامي أصيل – بمفردات أخرى مثل: النضال، والمقاومة، والانتفاضة، في محاولة لإلغاء الكلمة ذاتها، وإفراغها من بعدها الإيماني والعقائدي، بما يتوافق مع مواثيق وسياسات دولية لا تريد للأمة أن تمتلك وعيها ولا أن تحدد عدوها.
التربية الإيمانية ومعايير الإيمان القرآني
لا يمكن لأي إنسان أن يدّعي الإيمان، أو أن يزعم بلوغ كماله، ما لم يكن إيمانه قائمًا على الأسس التي حدّدها القرآن الكريم، وعلى مواصفات المؤمنين التي رسمها الله بوضوح. فالإيمان ليس ادعاءً لفظيًا، ولا حالة وجدانية معزولة، بل التزام عملي، وموقف واضح من الحق والباطل.
ومن هنا، فإن تغييب التربية الإيمانية يعني بالضرورة تغييب الإيمان الحقيقي، وتحويله إلى طقوس شكلية لا تصنع أمة، ولا تحمي هوية، ولا تواجه عدوانًا.
استهداف التعليم الديني والوعي القرآني
يكشف الواقع أن هناك عداءً واضحًا لأي جهد يُبذل في سبيل دعم التعليم الديني الأصيل، أو تمويل المدارس العلمية التي تعلّم الناس دين الله، وتربّي الشباب على القرآن والوعي والمسؤولية. وقد ظهر ذلك في الحملات التي تُشن ضد العلماء، وفي إثارة قضايا الزكاة حين تُوجَّه لدعم مشاريع علمية، في حين يُتغاضى عن صور الفساد الحقيقي، وأكل أموال الناس بغير حق.
فالمشكلة ليست في المال، بل في الخوف من وعيٍ يُنتَج، ومن جيلٍ يتربى على القرآن، ويدرك حقيقة الصراع، ويعرف من هو عدوه.
الإعلام وغياب التربية الإيمانية
عند النظر إلى الخطاب الإعلامي السائد، سواء في التلفزيون أو الإذاعة، نكاد لا نسمع شيئًا عن التربية الإيمانية بمعناها القرآني الشامل. وإن طُرحت بعض القضايا الدينية، فإنها تُطرح بصورة مبتورة، مفصولة عن الجهاد، وعن مواجهة أعداء الأمة، وكأن الأمة تعيش في فراغ، بلا أعداء، وبلا تهديدات، رغم ما تواجهه من قوى تمتلك أفتك الأسلحة وأشد أدوات الهيمنة، وفي مقدمتها أمريكا وإسرائيل وبريطانيا وحلفاؤهم.
خاتمة
إن الأزمة التي تعيشها الأمة اليوم ليست أزمة موارد، ولا أزمة شعارات، بل أزمة تربية إيمانية ووعي قرآني. ولا يمكن الخروج من هذا المأزق إلا بالعودة الصادقة إلى كتاب الله، والتمسك بنهج أهل بيت رسول الله (صلوات الله عليهم) في التربية والقيادة، وإعادة الاعتبار لمفاهيم الإيمان العملي، وفي مقدمتها الجهاد في سبيل الله. فبذلك وحده تستعيد الأمة هويتها، وتنهض بمسؤوليتها، وتشق طريقها نحو العزة والكرامة وكمال الإيمان.