في زمن التضليل والخداع.. المواجهة تتطلب جنداً على مستوى عالٍ من الوعي
الصمود||تقرير||علي زيد |
في ظل واقع تتصاعد فيه أساليب التضليل والخداع، وتبلغ ذروتها في المكر الإعلامي والتزييف المنهجي للوعي، وضمن سياق دروس من هدي القرآن الكريم – في ظلال دعاء مكارم الأخلاق (الدرس الأول) التي ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي، تبرز الحاجة الملحّة إلى بناء جبهة واعية تمتلك الإيمان العميق والبصيرة النافذة. فالمواجهة، كما يفرضها الواقع، ليست مجرد صراع أدوات وقوى، بل صراع وعي وإرادة، حيث لا ينتصر إلا من امتلك وضوح الرؤية وثبات الموقف.
الإيمان والوعي: شرطا المواجهة
تؤكد التجربة التاريخية للأمة أن الإيمان الناقص، حين يقترن بضعف الوعي، يُفضي إلى التخاذل والتفرق، حتى في ظل قيادة عظيمة. وقد جسّد الإمام زين العابدين (عليه السلام) هذه الحقيقة حين صاغ دعاء مكارم الأخلاق بوصفه دروساً وتوجيهات عميقة في قالب دعاء، مستحضراً آثار الإيمان الناقص على مسار الأمة، وما يخلّفه من جهل، وقلة بصيرة، وارتباك في الموقف.
دروس التاريخ: من صفّين إلى كربلاء
يُظهر التاريخ الإسلامي، منذ صفّين مروراً بمسيرة الإمام الحسن (عليه السلام) وصولاً إلى مأساة كربلاء، أن الهزيمة لم تكن وليدة قوة الخصم وحدها، بل نتيجة مباشرة لتخاذل من حملوا اسم جند الحق، وضعف يقينهم، وتشتت صفوفهم. لقد كانت مؤشرات هزيمة معاوية حاضرة في صفّين، غير أن التخاذل أوقف الحسم. كما أُجبر الإمام الحسن على الصلح حفاظاً على مجتمع العراق بعد أن خذله أصحابه، فيما انتهت قضية الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الشهادة في كربلاء بسبب التخاذل ذاته.
تحذير الإمام علي (عليه السلام): اجتماع على الباطل وتفرق عن الحق
حذّر الإمام علي (عليه السلام) جيشه وأهل العراق قائلاً: «والله إني لأخشى أن يُدال هؤلاء القوم منكم لاجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم». فقد كان خصومه يجتمعون تحت راية باطلة، بينما تفرّق أنصاره عن الحق، وتثاقلوا عن النهوض، ولم يتحركوا إلا بعد عناء وتحريض متواصل.
الأمن مع القائد العادل… وسوء الفهم القاتل
من مفارقات التاريخ أن أتباع الإمام علي (عليه السلام) كانوا يأمنون جانبه لعدله وحكمته، فأساء بعضهم فهم هذه السمة، فتحولت إلى سبب للتراخي، وكثرة الجدل، والمخالفة، والتمرد. إن الشعور بالأمان مع القائد العادل ينبغي أن يُترجم إلى وفاء وتضحية، لا إلى تثاقل وتثبيط. فالقائد الذي لا يمكر ولا يخدع هو الأجدر بالوقوف الصادق تحت رايته.
الطغيان وسرعة الانقياد
على النقيض، تُظهر تجارب الطغاة أن شعوباً ضعيفة الوعي قد تنقاد بسرعة إلى القمع، وتستجيب لنصف كلمة من طاغية كالحجاج أو صدام، في حين تتثاقل أمام نداءات الحق والعدل. وهذه المفارقة تكشف عمق أزمة الوعي، حين يُستبدل الإيمان الحقيقي بالخوف، والبصيرة بالانصياع الأعمى.
دعاء مكارم الأخلاق: مشروع وعي متكامل
قدّم الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعاء مكارم الأخلاق مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان الواعي، فاستهلّه بطلب بلوغ أكمل الإيمان: «اللهم بلغ بإيماني أكمل الإيمان». وهو إدراك عميق بأن الإيمان الكامل هو الحصن الأول ضد التضليل، وهو الأساس الذي تُبنى عليه البصيرة، والوفاء، والاستعداد للتضحية.
خلاصة
إن معركة الوعي في زمن التضليل هي معركة مصيرية، لا تُكسب بالشعارات، بل ببناء جند يمتلكون إيماناً راسخاً، ووعياً عميقاً، وبصيرة نافذة. فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، والعدل لا ينتصر إلا بأتباع يدركون قيمة القائد، ويفهمون أن الأمان في ظل العدل مسؤولية، لا مبرراً للتقاعس.