صمود وانتصار

في الذكرى الـ 16.. الإمام/ مجد الدين بن محمد المؤيدي حجة العصر ومرجع الإسلام الأكبر

الصمود|| مقالات|| بقلم العلامة/ الحسين بن أحمد السراجي

المولى مجدالدين أمةٌ لوحده :

ما أنا يا سيدي وما هي كلماتي؟ أي وصف مهما كانت كلماته ثمينة ومهما بلغت عباراته قوة يمكن أن تحيط بمناقبك وجميل شمائلك وأنت إمام العصر ومجدد الدين ؟

 

أنا لا أتحدث عنه كرمز زيدي حيث يحلو للبعض حصره وقصره فأنا لا أراه إلا مرجعاً إسلامياً وقائداً أممياً ورمزاً إنسانياً لا يُقصر ولا يُحصر .

 

ما دون وصف ضرارٍ لجده عليٍّ فيه فهو هباء .. فهو للمديح أهلٌ وللغرام أهلٌ ولا غرو أن يقال إنه علي والحسين وزين العابدين وزيد .

 

لم يكن شخصاً عادياً ولا مجرد عالم من علماء الشريعة الذين انزووا في المساجد أو حصروا أنفسهم بين جنبات المنازل يتناولون الكتب ويرددون : قال مولانا عليه السلام …. إلخ .. كلا لم يكن كذلك فقد كان كإبراهيم (ع) أمة لوحده .

 

إنه فريد عصره وإمام زمانه ، القائم بأمر الله ومحيي دين الله تعالى وسنة رسوله صلوات الله عليه وعلى آله الهداة الإمام المحدث مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي .. إنه علم الهدى ونبراس التقى من أحيا الله به علوم شريعته فأفاض على القلوب حياة الروح التي جاء دين الله لإحيائها وكان نبي الله يمثل أنموذجها .. إنه مجدد الدين الذي يبعثه الله في كل مائة عام ليجدد دينه .

 

إمام العصر .. ولا أبالغ إن قلت ما قاله سيدي ومولاي العلامة المجتهد الراحل الحسن بن أحمد أبوعلي رضوان الله عليه وقد سمعته بأذنيّ أكثر من مرة وهو يقول عن المولى مجدالدين : أجزم موقناً أنه لم يكن يملك الإمام الهادي عليه السلام إلا ما يملكه سيدي مجدالدين .

 

هو والله كذلك فحين أبحث عن مواصفاته أجد فيه علياً (ع) في وصف ضرار بن ضمرة : فإنه كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته .

 

غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، ومع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له ، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله .

 

هو والله كذلك وكيف لا يكون نسخة حيدرية وهو امتداد حيدر وحفيد حيدر وشبيه حيدر ؟

 

هو الإمام فحين تبتغي معرفة صفات الإمام ومناقبه فعليك به .. هو العالم الرباني وحين تبحث عن صفة الربانية في عالم تجدها قد تجلّت في شخصه .. حين تبحث عن علي فهو هو , وحين تبتغي السجاد فليس سواه , وحين تطلب زيداً فلن تحيد عنه , وحين يكون الهادي مقصودك فلن تبارح ساحته .

 

تتجلى فيه كل المناقب والفضائل وإليه ترجع السجايا والشمائل .

 

يجهل الكثير حقيقته لأنهم لم يعرفوه ولم يجالسوه ولم يعاشروه ولم يخالطوه ولم يتتلمذوا على يديه ولم ينهلوا أو يغترفوا من معينه .. ومن عرفه علم حجم الخسارة التي مُنيت بها الأمة يوم نبأ رحيله .

 

مواقف مشهودة :

في إحدى مناسبات ذكريات رحيله قال الأستاذ عبدالله عامر مدير مكتب الهيئة العامة للأوقاف بالأمانة :

 

أذكر ذلك الموقف الذي ذكره مفتي الديار سيدي شمس الدين شرف الدين عن المولى العلامة الكبير أحمد الشامي ، أنه كان يأتي إلى مركز بدر لتدريس العلوم الشرعية وذات يوم كنت أرافقه وأوصله بالسيارة إلى بيته ، وحكى لي هذا الموقف أنه حينما دخل على الرئيس السابق علي صالح في ذلك الحين الذي كان فيه الأخير صاحب مهابة وسلطة وسطوة ، أن المولى العلامة المؤيدي أبى إلا أن يستقبله صالح إلى حوش دار الرئاسة كشرط ، ولم ينزل المولى من سيارته إلا وقد أصبح الرئيس واقفاً مستقبلاً له وهو من الذي سيفتح له باب السيارة واستقبله وهو يردد عبارته المشهورة ( الظلم ما دام دمَّر ، والعدل ما دام عمَّر ) ، وما زال يرددها إلى أن خرج من عنده ، وقد خرج متجاهلاً كل تودد منه بشأن معرفة مصادر معيشته ، ورافضاً أي توسل منه في قبول أي توجيه فيما يخص خصوصياته سلام الله عليه .

 

في عهد الإمام أحمد حميدالدين سجل موقفاً معارضاً إثر السماح ببث الأغاني الوطنية المصحوبة بالموسيقى عبر إذاعة صنعاء ووجه رسالة بهذا الأمر تحولت لكتابه الشهير ( البلاغ الناهي عن الغناء وآلات الملاهي ) .

 

معركة وتجديد :

من حقيق القول فإنه سلام الله عليه خاض غمار المرحلة العاصفة للزيدية في تأريخها المعاصر ولذا استحق لقب المجدد عن جدارة واستحقاق باعتباره مرجعية علمية شامخة ترك رحيله فراغاً كبيراً يعرفه العلماء ويحيط به العقلاء .

 

مرَّت الزيدية بفترة عصيبة في تأريخها المعاصر خصوصاً بعد الـ 26 من سبتمبر 1962م وما تلاها من حرب وهابية وسياسية شاملة استهدفت قواعدها ومختلف أنشطتها العلمية والثفافية ووصلت لرجالاتها الكبار الذين تمت تصفية العشرات منهم بالإعدامات والإعتقالات والمطاردة والترهيب والرقابة والتضييق .

 

أمام تلك العاصفة وجد المولى مجد الدين المؤيدي نفسه ، أمام مهمة جسيمة للحيلولة دون وصول الزيدية للمآلات التي وصلت إليها زيدية العراق والجيل والديلم فخاض غمار معركة وقائية أثمرت زيدية بهوية متجددة وقابلة للتعايش مع كل الظروف والمتغيرات وهذا بحد ذاته كان النجاح الكبير للمولى مجدالدين للحفاظ على المذهب ناهيك عن جهوده المعرفية التي بذلها خلال عقود وأثمرت كتباً علمية وموسوعات بحثية وتأريخية ورسائل وردود شاملة تناولت في مجملها التراث الزيدي بكل أصوله وفروعه .

 

وبالتزامن مع ذلك الجهد قاد حركة تدريس علمية عريضة في صعدة والطائف ونجران ، أثمرت ثلاثة أجيال من العلماء الذين تخرجوا على يديه أو على يدي تلاميذه .

 

 

القَسَمُ الشهير :

مما اشتهر اشتهار الشمس والصلوات الخمس القسم الشهير الذي أقسم به المولى كبادرة علمائية فريدة لم أعلم بأحد ممن تقدم أو تأخر أقسم بمثله وما تضمنه ، قَسَمٌ مجلجل تترنم به الألسن وتتغنى به الشفاه وتتوقف عنده الألباب متأملة مدلولاته ومعانيه وهو :

 

« قسماً بالله العلي الكبير ، قسماً يعلم صدقه العليم الخبير ، أن لا غرض لنا ولا هوى غير النزول عند حكم الله ، والوقوف على مقتضى أمره ، وأنَّا لو علمنا الحق في جانب أقصى الخلق من عربي أو أعجمي أو قُرشي أو حبشي لقبلناه منه ، وتقبلناه عنه ، وَلَمَا أنِفْنا من اتباعه ، ولكُنَّا من أعوانه عليه ، فليقل الناظر ما شاء ، ولا يراقب إلا ربه ، ولا يخشى إلا ذنبه ، فالحَكَمُ الله ، والموعد القيامة ، وإلى الله ترجع الأمور » .

 

إنه مجدد التراث العلمي لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقاموس العلوم المحيط بعلمي المعقول والمنقول .

 

الإمام المجتهد والتقي النقي الولي بن الولي ، فريد عصره بلا منازع ، هو البحر الخضم والغطمطم الزخار ، تتعطر المجالس بذكره ويحلو الحديث عندما يكون عن شخصه ، عرفته اليمن والحجاز وذاع صيته في الآفاق ، من عرفه فقد عرفه ونال التوفيق بالاطلاع ، ولو على الجزء اليسير من سيرته العطرة ، وتأريخه العلمي العبق المليء بالعبادة والذكر والاستقامة والمثل العالية والقيم والمبادئ النادرة ، والتضحيات الغالية ، ومن لم يعرفه أو لم يعرف الكثير عنه فهذه الأسطر اليسيرة الحقيرة الواقفة بإجلال ومهابة تستأذنه في طرح اليسير من حياته وسيرته ، آملة أن تجد من روحه الطاهرة الرضا ومن محبيه الدعاء .

 

كلما حلَّ علينا شهر رمضان ، وعلى مدى الستة عشر عاماً ما تزال تستحضرني فاجعة رحيله ، وخبر مغادرته دنيانا ملتحقاً بركب الأنبياء والمرسلين وآبائه الأئمة المكرَّمين والشهداء الصالحين .

 

مع كل رمضان كريم يأتي يوم السادس منه ، لأرى الكون متشحاً بالسواد ومعلناً الحداد ، ففي يوم الثلاثاء المصادف لليوم السادس من شهر رمضان 1428هـ الموافق 18سبتمبر 2007م ، وتحديداً بعد المغرب كانت الروح الطاهرة تغادر الجسد الشريف بكل هدوء ورحمة وأريحية ، واللسان الذاكر المستغفر يردد أوراده وينطق بشهادة الثبات والتثبيت في الدنيا والآخرة .

 

انتشر الخبر بسرعة مذهلة فالفاجعة ليست عادية ، كونها لرجل استثنائي انتقل إلى جوار الله الإمام المجتهد الفريد أبو الحسين / مجد الدين بن محمد بن منصور بن أحمد  من ذرية الإمام المؤتمن الهادي إلى الحق عز الدين بن الحسن الملقب بالمؤيدي قدس الله روحه وطيب ثراه وأسكن روحه عالي علاه ، وعندها أصيب الناس جميعاً بالذهول من هول الفاجعة ، وبدأت الجموع والأفراد تتقاطر من كل مكان في اليمن والحجاز .

 

قلوب مفجوعة ونفوس محزونة وأعين باكية ، والقصد صعدة فلا بد من وداع هذا الولي ، ومن أقل الواجبات إلقاء النظرة الأخيرة عليه وتوديعه ، والمشاركة في الصلاة على جثمانه الطاهر وتشييعه إلى المثوى الأخير .

 

عاشت صعدة ليلة مأساوية وهي تستقبل الجموع الوافدة ، ومن صبيحة الأربعاء إلى ظُهره لم تكن صعدة على موعد من ذي قبل لتعيش ما عاشته ذلك اليوم ، الشوارع والطرقات تغص بجموع القادمين ، جسرٌ بري بات يربط مختلف محافظات اليمن والطريق المؤدي إلى السعودية !!

 

صعدة اليوم تعيش يوماً مشهوداً ، عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الناس ، أمواج من البشر يملئون مدينة صعدة وعلى طول الخط الإسفلتي الرابط ما بين مدينة صعدة وضحيان .

 

أصيب الإعلاميون بالذهول والدهشة فما الذي يمثله هذا العملاق لهذه الأمة المحتشدة ؟!

 

التشييع بذلك الشكل كان اختباراً وبياناً لما كان يمثله المولى في حياة الناس والأنصار .

 

صُلي على الجسد الطاهر في جامع الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع) بعد صلاة الظهر ، وتحرك الموكب الذي عجز عن الحركة بسبب الإزدحام والكثافة البشرية الأمر الذي تسبب في توقف التابوت الذي يحمل الجثمان على الأكتاف من الحركة فصار بلا حراك !!

 

المراد التشييع إلى ضحيان ، فاضطر الموكب إلى حمله على سيارة ، وسلوك طريق تنفذ من هول ذلك الزحام على طول الطريق الممتد ما بين مدينتي صعدة وضحيان ( أكثر من 30 كم ) ، والمدينتان مكتظتان بالسيارات والرجال .

 

وفي مسجده بضحيان وُوري المولى الثرى ، وهناك صُلِّي عليه جماعات متعددة وحاشدة ممن فاتهم وعجزوا عن المشاركة في جامع الإمام الهادي  عليه السلام .

 

سلام الله عليك إمام العلم ورائد التجديد وموسوعة الفكر والتنوير .