الصمود حتى النصر

ما بين باب المندب وكاريش .. أي مشهد إستراتيجي بدأ يفرض نفسه ؟

الصمود../

تابع الجميع منذ فترة غير بعيدة (أوائل شباط/فبراير من العام الحالي) مناورة بحرية ضخمة للأسطول الخامس الأميركي، تمحورت نشاطاتها بين البحر الأحمر وشمال غرب المحيط الهندي وخليج عمان؛ وبمشاركة رئيسية من “إسرائيل”، وبحضور وازن لبعض الدول العربية والإسلامية غير المطبعة مع الكيان، مثل السعودية، سلطنة عمان، جزر القمر، جيبوتي، الصومال، اليمن وباكستان، وبعضها من المطبعة مع الكيان، مثل الإمارات والبحرين.

ظهرت المناورة حينها، مع ما تخللها من أعمال إبحار أو عمليات انتشار بحرية، وكأنها مسرح عائم لمناورة تطبيع “بحرية” لكل المشاركين فيها، مع “إسرائيل”، وذلك من خلال نشاطات تعارف وتبادل خبرات ومحاضرات مشتركة لأغلب هذه الدول بين بعضها، وبحضور ساطع للبحرية الإسرائيلية طبعاً.

يمكن تقسيم مسرح المناورة المذكورة، والذي هو عملياً قطاع مسؤولية الأسطول الخامس الأميركي وانتشاره، إلى ثلاثة أقسام بحرية رئيسية:

القسم الأول، يقع بين شرق بحر العرب وامتداداً حتى السواحل الجنوبية والجنوبية الغربية لكل من الهند وباكستان.

القسم الثاني، يقع بين خليج عمان وامتداداً شمالاً وشمال غرب نحو عمق الخليج، ما بين مضيق هرمز وبين سواحل إيران شرقاً وسواحل دول مجلس التعاون الخليجي غرباً.

والقسم الثالث يقع بين سواحل مصر وفلسطين المحتلة ولبنان على البحر المتوسط غرباً، مع كامل الحوض المائي للبحر الأحمر، ضمناً مجرى قناة السويس وخليج العقبة وعقدة تيران وصنافير البحرية، وصولاً حتى خليج عدن وبحر العرب شرقاً، مروراً بباب المندب.

في الواقع، وفي نظرة جيوستراتيجية إلى أغلب تلك المناطق والممرات أو المعابر البحرية، والتي يحضنها قطاع عمل الأسطول الخامس الأميركي، يمكن القول إننا نتكلم عن المسرح البحري الأهم في العالم حالياً، والذي يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، وفي الوقت نفسه، يحضن الممرات الأكثر حساسية في العالم.

وإذا تعمقنا أكثر داخل هذا المسرح البحري الأهم في العالم، فيمكن أن نسلط الضوء على القسم الثالث المذكور أعلاه من هذا المسرح، والذي يشكل منطقة الاهتمام والتأثير الأكثر حساسية لـ”إسرائيل”.

بدورها، هذه المنطقة المذكورة (الاهتمام والتأثير لـ”إسرائيل”) تقسم إلى قسمين: منطقة أمن بحري مباشر، ومنطقة أمن استباقي (غير مباشر) لـ”إسرائيل”.

يمكننا أن نحصر منطقة الأمن البحري المباشر لـ”إسرائيل” في اتجاهين؛ الأول، خليج العقبة ومرفأ إيلات مع مداخله الجنوبية الشرقية في تيران وصنافير، والثاني، عند الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، وبالتحديد في محيط حقل كاريش الفلسطيني، من جهة أخرى.

أما لناحية منطقة الأمن البحري غير المباشر (الاستباقي) لـ”إسرائيل”، فيمكن أن نحددها في كامل البحر الأحمر وامتداداً إلى سواحل اليمن الشرقية، مروراً بباب المندب وجزيرة سقطرة، وصولاً حتى مضيق هرمز.

إذا ركزنا على أسماء المناطق والممرات البحرية التي تضمنتها منطقتا الأمن البحري لـ”إسرائيل”، المباشرة والاستباقية (غير المباشرة)، فقد تلفتنا المواقع البحرية التالية: خليج العقبة، تيران وصنافير، كاريش، باب المندب، وجزيرة سقطرة…

انطلاقاً من أسماء هذه النقاط البحرية “الرنانة” أمنياً وعسكرياً، يمكن أن نستنتج أهمية ما حققه وفرضه اليوم طرفان أساسيان في محور المقاومة من معادلات استراتيجية معنية بالتأثير في أمن “إسرائيل” البحري المباشر، وفي أمنها البحري الاستباقي، وهما: حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن.

اليوم، مما حققه وفرضه حزب الله في موضوع الاشتباك البحري مع “إسرائيل”، وبالتحديد من خلال معادلة كاريش وما بعد بعد كاريش، وما يمكن أن تتضمن هذه المعادلة من قدرة أكيدة على مسك قسم كبير من سواحل فلسطين المحتلة على المتوسط، يمكن القول إن هذه المعادلة، ومع أهميتها الأساسية في تحديد أطر مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجارية بين لبنان و”إسرائيل”، فقد تجاوزت بأبعادها الاستراتيجية هذه المفاوضات، لتكون أساساً متيناً يبنى عليه في مسار الصراع المفتوح مع “إسرائيل”، وذلك لناحية التأثير في الأمن البحري المباشر لـ”إسرائيل”.

 أيضاً، أصبح اليوم لافتاً، وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، ما يحققه ويفرضه الجيش اليمني وحركة أنصار الله، أولاً على صعيد تثبيت صمود اليمن وتحصينه بمواجهة العدوان، وثانياً على صعيد امتلاك عناصر الردع الاستراتيجية المناسبة لفرض موقع متميز في تلك العقدة البحرية الأهم في المنطقة والعالم: باب المندب.

وعملياً، لترجمة هذه الأهمية، كان صادماً ما كشفه الجيش اليمني مؤخراً في العرض العسكري ” وعد الآخرة ” من صواريخ بحرية بمميزاتها الفعالة، والقادرة على مسك باب المندب وجزيرتي ميون وسقطرة بشكل كامل، وعلى تأمين القسم الأكبر من البحر الأحمر ومن خليج عدن ومسكهما. 

من هنا، وانطلاقاً مما حققه حزب الله والجيش اليمني وأنصار الله على صعيد معادلات الردع البحرية، وفي بقعة الأمن البحري المباشر والاستباقي لـ”إسرائيل”، بالإضافة إلى ما فرضوه من موقع متقدم لناحية القدرة على التأثير في المشاريع الدولية الحالية المرتبطة بأزمة الطاقة العالمية، والهادفة إلى تأمين بديل للطاقة الروسية، من الخليج ومن شرق المتوسط، يمكن القول إن المنطقة والإقليم اليوم أمام مشهد استراتيجي جديد، من بين لاعبيه الرئيسيين حزب الله في لبنان وحركة أنصار الله في اليمن.

*الميادين نت – شارل أبي نادر