الصمود حتى النصر

“وعد الآخرة”.. الكابوس الذي كانوا يخشونه صار حقيقة

الصمود../

«وعد الآخرة»، تسمية لا شك بأنها ستفعل فعلها في نفوس من تابع تفاصيلها عبر العرض المهيب لـ»كتاب الصماد» أمس الأول في الحديدة حارسة البحر الأحمر بتشكيلات وصل قوامها إلى ٢٥ الف مقاتل من القوات البحرية والدفاع الساحلي والقوات الجوية والدفاع الجوي.

أكثر من (٢٥) ألف مقاتل إذن، جسدوا على أرض الحقيقة ذاك الكابوس الذي ظل دهراً يراود أعداء هذا البلد إن هو استقر في معيشته وإن هو عاش الاستقلالية في القرار والسيادة على الأرض والموارد.

جيش في أقصى جنوب الجزيرة العربية تعرَّض طوال عقود للتآمر والتدمير حتى لا تقوم لهذا البلد قائمة، يبدو اليوم على مستوى كبير من الجرأة من بين كل جيوش المنطقة الخانعة لإرادة الغرب، فصنع المسيّرات وطوَّر الباليستيات، ثم انتقل إلى البحر وصار يمتلك الألغام والصواريخ البحرية بمستواها الحديث القادر على استهداف العدو طالما جعل أطماعه بوصلته للتحرك في المنطقة وانتهاك سيادة الدول ونهب ثرواتها.

وفق حدث أمس الأول العسكري ما عاد بالإمكان الاستخفاف بالقدرات اليمنية والطموح اليمني، وهو بالفعل ما دفعت إليه التحديات التي خلقها العدوان حسب ما أشار إلى ذلك قائد الثورة.

عشرات السنوات كانت شاهدة على مطامع المستعمرين والمحتلين، الذين ما كانوا يكتفون بالاحتلال ونهب ثروات البلد وإنما عمدوا أيضا وبحرص شديد ووفق مخططات بعيدة المدى لتدمير البنية الداخلية لنفسيات اليمنيين حتى صاروا وهم الأغنياء بثرواتهم وقدراتهم عالة على العالم يعيشون مما تهبهم إياه المنظمات والجمعيات الخيرية الدولية.

عرض الأمس المهيب والأضخم، أعاد إلى الأذهان كل تلك المؤتمرات التي حرصت على أن لا يكون لهذا الوطن جيش حر متجرد من النزاعات الضيقة، منتميا إلى الأرض والتاريخ والهوية، ثم أثبت وقد ظهر بذلك العنفوان والحماسة انه أمة لا تقهر، وأنه آية الصدق والولاء للثوابت الدينية والوطنية.

قرابة الـ ٢٥ ألف مقاتل جددوا بالأمس رسائل الثبات والصمود ولكن هذه المرة مع ارتكاز على قدرة وثقة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

تزامن العرض العسكري المهيب مع المؤتمر الصحفي الذي عقدته اللجنة العسكرية عقب عودتها من عمان مباشرة، ونقلت من خلاله تفاصيل تُعد عيبا على الأمم المتحدة بشأن التفاوض بشأن الهدنة مع أطراف تحالف العدوان، الذي يكذب بتعمد ثم يفرّ من الاستحقاقات رغم أنه وافق عليها وهو في كامل قواه العقلية فضلا عن كونها استحقاقات إنسانية لا ينبغي التعاطي معها باعتبارها تنازلات.

اللجنة العسكرية كشفت للرأي العام الدولي الممارسات المعيقة من قبل الطرف الآخر، ومنها امتناعه عن الحضور في لقاءات الأردن، إلى جانب استمراره في خروقاته المتزايدة للهدنة الأممية المعلنة، ما يكشف عن نوايا عدم الالتزام، الأمر الذي جعل اللجنة العسكرية تؤكد بأن لا تقدم في المجال العسكري في المفاوضات إلا بصرف المرتبات، وهو ربط يرمي الكرة إلى ملعب الطرف الآخر أمام مرآة ومسمع المجتمع الدولي المتواطئ.

اليمنيون تعرضوا للعدوان طوال ثمانية أعوام، فقصفتهم صواريخ العالم المنتمية إلى كبرى الشركات العالمية المنتجة لأسلحة القتل والدمار بما فيها تلك الأسلحة المحرمة دوليا، كما مورست ضدهم كل أشكال التآمر على استقراره وقوته، فدعمت خلايا التخريب وحاصرت منافذ الغذاء، ليأتي العرض العسكري المهيب الذي شهدته مدينة الحديدة حارسة البحر الأحمر أمس بحضور القيادات العسكرية العليا يتقدمهم المشير الركن مهدي المشاط مجددا الرسائل إلى تحالف العدوان والحصار بأن مصالح الوطن والمجتمع الصابر على ظلم العدوان والتجويع باتت تدفع لصياغة معادلة المواجهة، خصوصاً وأنه جاء أيضاً عقب عروض عسكرية عدة شهدتها مختلف المحافظات الحرة.

وفي كل مرة تظهر مع العروض العسكرية الإضافات النوعية في مستوى الجاهزية عدة وعتاداً وتظهر تلك الروح التواقة لأن تكون حاضرة في معركة التحرير من هيمنة الأجنبي الذي ظل ينخر في الدولة وينهب ثرواتها ثم يزعم بالتبرع للتنمية فيها.

هذه القوات اليمنية ما كانت لتكون لولا قيادة حكيمة ولولا عزيمة لدى هؤلاء الأشاوس الذين أدركوا حجم المسؤولية فتسابقوا لنيل شرف رفع راية الانتصار.

في رسالة عرض الأمس، تجديد بأن هذا الجيش القادم من سنوات الحصار والتضييق كسر طوق العزلة ورسخ حقيقة الاستقلال من التأثيرات الخارجية، والمؤكد وفق هذه الرسائل بأنه صار على الشيطان الامريكي أن يعي أن صياغة معادلات الهجوم والدفاع وفق الرؤية الأمريكية مسألة قد انتهى عهدها، ومن ثم بات أصبح عليه ومن يدور في فلكه المظلم، أن يتعاملوا مع معادلات الدول الحرة وفق مُدخلاتها هي، وحساباتها هي، وأن تدرك دول الهيمنة والاستكبار أن القيد قد انكسر عن الدول المستضعفة وصارت معادلة السن بالسن هي حاكمة العلاقة والتعامل مع أي عدوان.

الهدنة الخدعة

خلال شهور الهدنة الخمسة، لم يكن اليمنيون على حال من الرضى والقبول بمجرياتها، إذ غاب الشعور بأثرها لدى المواطنين، فلا هي التي تزامن معها صرف المرتبات ولا هي التي قادت إلى لجم قوى العدوان عن الاستمرار في ممارسة عدوانيتهم.

فعلى صعيد القصف والقتل، يحسب الرعاة لهذه الهدنة الحساب لمسألة توقف الغارات على رؤوس المواطنين الأبرياء، ورغم أن هذه التي يحسبونها ميزة بطلها التحالف الكاذب لم تغب كليا من يوميات عدوانه، إلا أن رعاة الهدنة يتغافلون بذلك الطرح السمج، ويتجاهلون أن هناك استحقاقات أخرى قد توازي الغارات في الأهمية والخطورة التزم بها التحالف السعودي الأمريكي لكنه لم ينفذها، ولربما تكون اكثر خطورة كونها تتسبب في الوفاة ببط، فمعاناة عدم القدرة على السفر لكل صاحب حاجة -وليس من شأن التحالف أن يحدد طبيعة من يسافر- لا تزال مستمرة.

ومعاناة مئات الآلاف من الأسر نساء وأطفالاً ومواطنين ما عادوا يمتلكون الحيلة للوفاء بالتزاماتهم تجاه أسرهم لا تزال مستمرة بسبب عدم صرف المرتبات، والقلق اليومي نتيجة أساليب الانتهاكات العسكرية لا تزال ترهق راحة وسكينة الآمنين.

يوماً تلو آخر يتورط التحالف دوان أن يعي، ويوماً تلو الآخر تخرج صنعاء لتحذر وتنذر وللصبر حدود..

خلال شهور الهدنة الخمسة، لم يلتزم تحالف العدوان بما يفرضه عليه الاتفاق، ومضى يمارس لعبة الإرهاق للمواطن بحصار لا مبرر له، لا من حيث الهدنة، ولا من حيث كون السفن تمر بمسارات قانونية وتُمنح التصاريح اللازمة العبور والوصول إلى ميناء الحديدة، ولا من حيث الحق في القرصنة على سفن دولة أخرى.

أمس، كشفت شركة النفط اليمنية أن شحنات الوقود تكبدت غرامات تأخير خلال فترة الهدنة وصلت إلى 11 مليون دولار بسبب القرصنة والاحتجاز وتأخير دخولها إلى موانئ الحديدة.. ولفتت الشركة إلى أن عدد سفن الوقود المحتجزة حالياً وصل إلى تسع سفن وقود جميعها حاصلة على تصاريح دخول أممية.

هذه الأرقام التي يتحمل تبعاتها المواطن تحدث فيما الأمم المتحدة لا تحرك ساكناً، في اتجاه إلزام قوى العدوان باحترام الاتفاقات.

ووفق ذلك وفيما زعمت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي رغبتهم في أن تكون الهدنة مدخلا لوضع الخطوط العريضة لسلام دائم وإنهاء حالة العدوان ورفع الحصار، فإن ممارسات التحالف العدائية لا يبدو أنها تسير في هذا الاتجاه.
تشير شركة النفط اليمنية في بيانها أمس إلى أن تواطؤ التكوينات الأممية المعنية مع تحالف العدوان، يسهم بصورة خطيرة في تفاقم الانتهاكات الصريحة لاتفاق الهدنة المؤقتة.

وتشير الشركة إلى أن ذلك التواطؤ لم يعد مقتصراً على الصمت وتجاهل القيود والعراقيل الواضحة أمام حركة سفن الوقود بل أصبح في خانة المشاركة الفعلية في الحصار من خلال الإحداثيات والتعليمات المرسلة من قبل الـ(UNIVM) إلى السفن المصرح لها بالتوجه إلى منطقة الاحتجاز والبقاء هناك بانتظار «تصريح» بوارج تحالف العدوان للسماح لها بالوصول إلى موانئ الحديدة.

عندما جرى الحديث عن التمديد الأول للهدنة تعامل الجانب الوطني بحكمة مع وضع شروط تمديدها، ورعى في المصلحة الوطنية وكذا الدولية، نظرا للتأثير السلبي الذي يمكن أن تحدثه أعمال القصف على الطاقة الدولية.

وهنا التزمت الأمم المتحدة بمقابلة ذلك بالاجتهاد بحلحلة مشاكل ملف المرتبات وعدد الرحلات وإنهاء حالات القرصنة وهو ما لم يتم.

وفي الأثناء استمر الجيش اليمني يعد عدته لانتزاع حقه من المجتمع الدولي المتواطئ في كل هذه الممارسات، ومن أجل هذا ومنذ بدء الهدنة مر الجيش اليمني بحالة إعادة تأهيل وتدريب وبناء، وفق عقيدة قتالية تعتمد على الهوية الإيمانية والعلاقة مع الله والروح الجهادية ليوم الحسم وانتزاع حق اليمنيين، وهي مسألة قانونية تؤكدها كل الشرائع والقوانين.

الثورة / وديع العبسي