الصمود حتى النصر

اليمنيون على موعد مع الحياة

د. عبده حمود الشريف

مقالات||الصمود|| د. عبده حمود الشريف

يقف اليمن اليوم على مفترق طرق، فإما أن يخرج من هذه الحرب ممزقاً ضعيفاً، وإما أن يخرج منها قوياً واثقاً ويصنع تاريخاً جديداً من القوة والريادة التي تمكنه من أن يصبح القوة المستقبلية الجديدة في شبه الجزيرة العربية. وكيمنيين ندرك أننا نمر بامتحان قلما شهده التاريخ، وندرك فداحة الثمن الذي يدفعه هذا الجيل بسبب حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، الحرب التي أتت لنا من الخارج، وكان بعض اليمنيين جسرها التي عبرت فوقه. ليس آلاف الشهداء أو الضحايا الأبرياء كانوا وحدهم ثمن هذه الحرب، ليست الأرامل ولا اليتامى ولا من شُرِّدوا من بيوتهم ومزارعهم، ولا من فقدوا أطرافهم بشظايا الصواريخ التي ألقتها طائرات التحالف السعودي-الإماراتي بعشوائية وقسوة مفرطة، وإنما كرامة الوطن كله.

لقد دمر المتآمرون على اليمن كل شيء، وقصفت مقاتلاتهم الـ إفـ15 منازل المدنيين والأسواق الشعبية وحفلات الأعراس وصالات العزاء المكتظة، ومعسكرات اللاجئين، وقتلت آلاف الأبرياء وأغارت على المدارس والمستشفيات، ودمرت المطارات والجسور والطرق العامة والمصانع ومرافق الطاقة والكهرباء، وحولت مدينة صعدة بكاملها الى أنقاض. هذه كلها موثقة وشهدها العالم على الشاشات. وما زالت طائراتهم ترعب سكان صنعاء الآمنين كل مساء، وما زال حصارهم غير الأخلاقي وغير الإنساني على المطارات والموانئ شاهدا على القسوة التي تحكي قصة انتقام عبثية لا مثيل لها.

لم يشهد التاريخ أن اليمنيين اعتدوا على أحد، أو امتلكوا نزعة الانتقام ضد أحد. كان اليمنيون سباقين إلى تقديم العون لجيرانهم عندما لم يكن هناك نفط ولا ناطحات سحاب ولا صناديق سيادية لديهم، وقدموا لهم قوافل الغذاء والقمح والذرة، وتقاسموا معهم الخبز والعيش. وحاشا لله أن يكون اليمنيون قد تميزوا طوال تاريخهم بالقسوة تجاه جيرانهم، أو ارتكبوا آثام الخيانة ضدهم. وحتى عندما تعرضوا للغدر اختاروا مقاومة خصومهم وواجهوهم مواجهة الشجعان للجبناء. والتاريخ شاهد على قوة وشجاعة اليمنيين، قهروا الغزاة الأحباش والرومان والفرس والبرتغاليين والأتراك والبريطانيين. ليست المشكلة هذه المرة في تخاصم اليمنيين مع بعضهم، فلو تُركوا وشأنهم ما تقاتلوا، ولو تقاتلوا ما كانوا استمروا في قتال بعضهم، لولا الأموال التي سخرها أعراب هذا الزمن لزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.

أجل، اليمنيون قادرون على الحياة من جديد، مثل طائر العنقاء الذي تقول الأسطورة أنه ينبعث من تحت الرماد من جديد. فهم جادون ومكافحون ومجربون، عصرتهم الحياة وتجارب الزمن، وعلمتهم القدرة على البقاء وقهر الصعوبات ومواجهة العاديات. لم يعرف التاريخ عن اليمنيين سوى أنهم أشداء وأنهم كانوا في طليعة المدافعين شرف العرب وكرامتهم، وهذا ما جعل الانتساب إليهم مصدر فخر عند كل العرب. وما من أحد إلا ويدرك أنهم كانوا الحاضن الأول لنبي الإسلام (صلوات الله وسلامه عليه) بأوسهم وخزرجهم، وأنهم كانوا طليعة الجيوش التي حملت الرايات وقادت الفتوحات من أقصى الأرض إلى أقصاها. وتعددت مساهمتهم في مجال الفكر والأدب والتاريخ العربي، وأثْروا المكتبة العربية بأعلام الثقافة والفلسفة والتاريخ. وما من ملحمة عربية أو إسلامية إلا وكانوا أحد صُنَّاعها ومبدعيها. ولا نتصور مثلاً كتابة التاريخ العربي من دون الاستغراق في مساهمة اليمنيين على مدى القرون.

وسواء طال الزمن أم قَصُر، سوف ينتصر اليمنيون. ولعمري لم أقرأ أن اليمنيين طوال تاريخهم قد حسبوا نتائج الحروب بالبدايات، ولكن حسبوها بالنهايات التي تحمل الهزيمة لخصومهم. في الستينيات دفع السعوديون صناديق من الذهب من أجل إجهاض أمل اليمنيين في الجمهورية الوليدة، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ انتصر الجمهوريون رغم أنف خصومهم. وفي التسعينيات دفعوا بالدولارات من أجل وأد الوحدة وحرضوا على الانفصال، ولكن ماذا حدث؟ تمسك اليمنيون بوحدتهم رغم أنف خصومهم. كل المحن والتجارب القاسية وكل التضحيات حملت نهايات سعيدة لليمنيين. وعليك أن تقرأ التاريخ كي تفهم كيف استطاع اليمنيون أن يخلقوا من ضعفهم قوة، ومن معاناتهم عزة وكبرياء، وكيف ردوا الصاع صاعين على من اعتدى عليهم. وطوال تاريخهم اختاروا العزة على المهانة، والنصر على الإذلال. وهذه الحرب، ليست الاستثناء، لقد كانت محصلة تخطيط ومؤامرات منذ أن توحد اليمن، لم يكن اليمنيون على علم بها لأنهم أحسنوا الظن بجيرانهم. جاءت هذه الحرب تحت شعار محاربة إيران، وإيران قريبة منهم لو أنها كانت هدفهم الحقيقي.

وليس الانتقام هو ما يريده اليمنيون، وإنما يريدون إعادة بناء بلادهم وقوتهم المقبلة. سوف يكرسون جُل جهدهم ومواردهم للتعليم، وسوف يشيِّدون صرحاً للابتكار والإبداع في جامعاتهم ومعاهدهم، وسوف يقيمون الأسس للعدالة والتسامح والتعايش في مجتمعهم، وسوف يعززون قيم الديمقراطية والحكم الرشيد، وسوف يعتمدون على أنفسهم، ولن يمدوا أيديهم لأحد. ولكنهم لن يتنازلوا عن المطالبة بتطبيق العدالة ضد من ارتكبوا الفظائع بحق بلادهم. كما أنهم لن يتنازلوا عن المطالبة بتعويضات “عادلة” عن الدمار الذي ألحقته آلة الحرب السعودية والإماراتية ببلادهم، فهذه حقوق شعب ولا يحق لأحد التغاضي أو التنازل عنها.
لقد دمرت الحرب كل شيء، لكن هذه الحرب وبرغم طولها وبشاعتها لم تجعل اليمنيين يُحْنُون هاماتهم، ولم تتمكن من إطفاء جذوة الطموح لديهم، فهذه الجذوة ستظل مشتعلة ومتوقدة دائماً. ويكفي هراء ما يقوله المفسبكون وكُتَّاب الصحف والمواقع الصفراء الذين جنَّدهم الجيش الالكتروني، من أنه يجب على اليمن أن يختار بين الخضوع للسعودية والإمارات أو الخضوع لإيران، فليس هناك من خيار لدى اليمنيين سوى الخضوع لله ولوطنهم، وهم على موعد مع القدر لبناء قوتهم الجديدة في شبه الجزيرة العربية، وهذه القوة لن تكون إلا عاضداً لأشقائها العرب وليس شراً عليهم. وكأن الله اختارهم لمهمة أبدية، ليس انتساب العرب لهم سوى إحداها، هكذا كانوا في الماضي، وبعون الله سيكونون كذلك في المستقبل.
*أستاذ جامعي وكاتب مقيم بالولايات المتحدة