الصمود حتى النصر

ابن زايد في ضيافة إردوغان: «قمّة» تصفية الخسائر

 

الصمود |تقرير  |محمد بن زايد في قصر رجب طيب إردوغان في أنقرة. الخبر ليس عاديّاً، بعد سنوات طويلة من قيادة وليّ عهد أبو ظبي حملة عداء شرسة لتركيا تحت شعار صدّ هجوم «الإخوان المسلمين» الذي حملت أنقره لواءه، بهدف لا يقلّ عن تغيير أنظمة الخليج الفارسي، باستثناء الحليفة قطر، ضمن موجة «الربيع العربي».

وبالتالي، فإن حصول الزيارة بذاتها يؤْذن بتسليم الرئيس التركي بسقوط هذا المشروع، خاصة أنه يحتاج إلى الاستثمارات الإماراتية الموعودة في ظلّ استفحال الأزمة الاقتصادية في بلاده، فيما تُظهر الخطوة بحثاً إماراتياً عن دور جديد «معزَّز» بالتطبيع مع إسرائيل، في ظلّ الانتكاسات التي مُنيت بها مغامرات أبو ظبي في المنطقة

 

ليس الاقتصاد التركي الذي كان استقراره مَفخرة حُكم رجب طيب إردوغان، وخاصة استقرار الليرة التي عانى الأتراك من تقلّباتها طويلاً، على ما يرام الآن. ولعلّ أبرز تجلّيات الأزمة، تدهور الليرة الجديدة التي اعتُمدت في عام 2005 بعد حذف ستّة أصفار من المليون ليرة القديمة (حيث كان المليون يساوي دولاراً واحداً)، وبدأت تفقد قيمتها تدريجياً منذ سنوات، قبل أن تتقهقر بسرعة في الأيام الماضية لتُلامس الـ13 ليرة للدولار الواحد، بما يضع الاستقرار الاقتصادي «الإردوغاني» في مهبّ الريح. ومنذ بداية عهده في عام 2002، حين كان رئيساً للوزراء قبل تحويل النظام إلى رئاسي، أقام إردوغان فلسفته الاقتصادية على مستويات فوائد متدنّية تشجّع المشاريع كبديل للاستثمار في المدّخرات لدى البنوك، وقاوم ضغوطاً شديدة، وخاصة في السنوات الأخيرة، من المؤسّسات المالية الدولية التي يسيطر عليها الغرب، لرفع الفائدة بهدف تأمين استقرار العملة، متسلّحاً بمقولة إن رفع الفائدة هو إيغال في الربا، ويبتعد بتركيا عن الاقتصاد الحقيقي المستقرّ، الذي يساوي استقرار الحكم.

 

اليوم، وتبعاً لنتائج الزيارة التحضيرية التي قام بها مستشار الأمن الوطني الإماراتي، طحنون بن زايد، إلى تركيا قبل 3 أشهر، والتي رافقها حديث عن استثمارات إماراتية كبيرة في هذا البلد، يدخل ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، قصر إردوغان، في لحظة إعادة هندسة للأدوار الإقليمية، أخذاً بتطوّرات دراماتيكية، ليس أقلّها أهمّيةً الفشل المتنقّل للمشروع «الإخواني» من سوريا إلى ليبيا إلى الخليج الفارسي فأذربيجان. والجدير ذكره، هنا، أن تركيا تستضيف معارضين إماراتيين من جماعة «الإخوان»، وتُوفّر لهم منبراً للنشاط السياسي والإعلامي، حيث يمثّلون صوتاً عالياً في كشف الانتهاكات التي يرتكبها نظام أبو ظبي بحق المعارضين، ولا سيما الموجودين في السجون الإماراتية، وكذلك في مواجهة التطبيع الإماراتي «المُفرِط» مع العدو الإسرائيلي. وتأتي زيارة ابن زايد هذه بعد الكشف عن إدراج أبو ظبي، في أيلول الماضي، أربعة معارضين إماراتيين هم حمد الشامسي، ومحمد صقر الزعابي، وأحمد الشيبة النعيمي، وسعيد الطنيجي، على «قائمة الإرهاب»، علماً أن بعض هؤلاء مقيمون في تركيا. وعليه، فإذا كان ابن زايد سيبادر إلى ضخّ استثمارات كبيرة في تركيا، فلا شكّ أنه سيطالب بثمن لقاء خطوته، سواءً في ما يتعلّق بـ«إخوان الإمارات» المقيمين في تركيا ومنابرهم الإعلامية، أو ما يتعلّق بالدعم التركي للجماعة على مستوى مشروعهم في المنطقة، والذي تخلّى عنه داعموه في الغرب بعد ثبوت عدم جدواه، ليبقى أن تعلن تركيا نهايته رسمياً. والمساومات من هذا النوع ليست جديدة على إردوغان، إذ سبق أن انخرطت تركيا في مساومة كبيرة مع السعودية، في قضية قتل الصحافي جمال خاشقجي. فقد أعلنت منظمة «مراسلون بلا حدود»، أوّل من أمس، أن المحاكمة التي تجري في تركيا «تقترب من طريق مسدود»، على اعتبار أنها يجب أن تأخذ في الاعتبار دور ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في القضية، وهو ما لا يَحدث إلى الآن، مع التذكير بأن تركيا هي من زوّدت الاستخبارات الأميركية بالمعلومات التي صدر على أساسها التقرير الذي يورّط ابن سلمان مباشرة في الجريمة.

 

في المقابل، لا يعدو «فَتْح» ابن زايد التركي كونه بحثاً عن دور جديد «معزَّز» بالتطبيع مع “إسرائيل”، في ظلّ الانتكاسات التي مُنيت بها مغامرات الإمارات في المنطقة، من اليمن حيث اضطرّت إلى انسحابات متتالية آخرها إخراج مرتزقتها من الحُديدة والساحل الغربي تحت تهديد بقصف دبي وأبو ظبي، إلى سوريا حيث كانت الإمارات من أولى الدول التي تُراجع حساباتها وتعيد العلاقات مع حكومة دمشق، إلى قطر التي خسرت فيها مع الخاسرين معركة المقاطعة، إلى تدهور العلاقات بالرياض، وكلّ ذلك في ظلّ تراجع الضمانات الأميركية لأنظمة الخليج الفارسي عموماً، مع تخفيض الوجود العسكري الأميركي في هذه المنطقة. على أن زيارة ابن زايد لتركيا تستفزّ السعودية على ما يبدو، وفق ما تُظهر حملة سعودية على «تويتر» تحت عنوان أن حاكم الإمارات حرّض السعوديين على تركيا وخرّب العلاقة بين الرياض وأنقرة، ثمّ ذهب لتحسين علاقات بلاده بالأخيرة، تاركاً النظام السعودي وحده في معاداة الأتراك. ويشكو سعوديون من مقاطعة المنتَجات التركية التي يتمّ بدلاً منها استيراد «منتَجات رديئة» من جبل علي، وضمنها منتجات إسرائيلية معادٌ توضيبها، بينما استمرّ الإماراتيون في استيراد المنتَجات التركية حتى في أسوأ مراحل العلاقات، في إطار تكتيك إماراتي معروف بتحييد «البزنس» نسبياً في بعض البلدان التي تتّسم علاقاتها السياسية بها بالتوتر، لاستخدامه في ظرف مناسب، تماماً كما يحصل اليوم مع تركيا.

 

وتعكس التبدّلات السريعة في الرهانات الإماراتية مرونة في استخدام المال في خدمة بقاء النظام، الذي يعتاش على الأزمات الخارجية. ولذلك، هو يتورّط في نزاعات وأدوار تفوق بكثير حجم الدولة. وهنا، يأتي العامل الآخر الذي يتسلّح به ابن زايد إلى جانب المال، وهو الذهاب أبعد في الخيار الإسرائيلي، نحو وضع أمن النظام في يد إسرائيل، والاستفادة من علاقات الأخيرة مع الولايات المتحدة لانتزاع معاملة أميركية خاصة للإمارات، في الزمن الذي تُخفّف فيه الإدارة الأميركية من تورّطها مع تلك الأنظمة، وخاصة في مجال بيع السلاح، كما تُظهر صفقة طائرات «أف 35» التي تدخّلت تل أبيب لدى واشنطن لتمريرها إلى أبو ظبي. حين قام طحنون بزيارته لتركيا في آب الماضي، كانت ضمن جولة انتهت في قطر. وكان طبيعياً أن يجري الربط بين المحطّتَين، وأن تُعتبر الثانية مكمّلة للأولى. لكن قطر ليست تركيا، بل حليفتها، ويبقى الحليف الرئيس للدوحة هو الولايات المتحدة، وتحديداً رئيسها جو بايدن. ولذا، إذا قرّر ابن زايد زيارة الدوحة، فسيفعلها بصفته الخاسر في معركة المقاطعة، لا «الفاتح» الآتي لحصاد استثمار سياسي واقتصادي.

:المصدر الاخبار