الصمود حتى النصر

الكابوس الذي كسر أنف شارون

الصمود:

مثّل الضغط المتواصل الذي مارسته المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة على جيش الاحتلال، وما نتج منه من ثمن كبير دفعه الأخير، المرتكَز الأساس الذي دفع العدو إلى الانسحاب من القطاع، خشية تعرّضه لمزيد من الخسائر. ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، تصاعدت عمليات المقاومة في مختلف مناطق غزة، وتكثّفت إلى حدّ أنه لم يكن يوم يخلو منها تقريباً. ومع اشتداد الانتفاضة، لم يستطع 8600 مستوطن في 21 مستوطنة أقيمت على 35% من مساحة القطاع، العيش يوماً واحداً من دون خوف من الاستهداف. وعلى مدار خمس سنوات، نفّذت المقاومة، بحسب دراسات عبرية حول الانسحاب، أكثر من 14 ألف عملية، بما فيها إطلاق نار، أو إطلاق صواريخ وقذائف “هاون”، أو اقتحام، أو تفجير للآليات والمدرّعات. وتسبّبت 400 من تلك الضربات بوقوع قتلى وجرحى بحسب اعتراف الاحتلال، فيما أحدثت الأخرى أضراراً بعضها جسيمة، بالإضافة إلى توليدها حالة رعب دائم لدى المستوطنين الذين فشلوا في إيجاد وسيلة يمكن من خلالها توفير الأمن. وبلغ عدد القتلى في مستوطنات غزة بعد الانتفاضة، أكثر من 185 مستوطناً معظمهم من الجنود الذين كانت المقاومة تستهدفهم بشكل مركّز (قُتل 13 جندياً وأصيب 34 آخرون في الفترة الواقعة بين حزيران وكانون الأول 2004 فقط)، بالإضافة إلى أكثر من 1000 مصاب بجروح مختلفة ما بين خطيرة ومتوسّطة وطفيفة.

وأمام المعضلات الأمنية المتلاحقة، حاول العدو إيجاد حلول أمنية تديم مستوطينه وقواته في غزة، إلّا أن الضغط الكبير وحالة العجز أمامه دفعا الاحتلال إلى التراجع، خصوصاً في ضوء تطوّر عمليات المقاومة من إطلاق النار ثمّ اقتحام المستوطنات، إلى استهداف الجيش في الطرق الواصلة ما بين المستوطنات بالعبوات الناسفة الأرضية والجانبية. ومع تشديد الإجراءات الأمنية الإسرائيلية في القطاع، وتوسيع المناطق العازلة بين المستوطنات وأماكن سكن الفلسطينيين، صعّدت المقاومة فعلها لتستخدم قذائف “الهاون” ومن ثمّ الصواريخ، وسلاح الأنفاق الذي فجّرت من خلاله عدداً من المواقع العسكرية، في ما مثّل ذروة الضغط الأمني التي دفعت نحو تطبيق خطّة الانسحاب. وممّا ساعد على ذلك أيضاً، فشل الحلول التي اعتمدتها قوات الاحتلال عبر اجتياح المناطق المحاذية للمستوطنات، واقتحام أطراف المدن الفلسطينية في القطاع، بهدف الانتقام وتحقيق الردع وتثبيت الوضع الأمني، وصولاً إلى استخدام الهجوم بدلاً من الدفاع لإلهاء الفصائل الفلسطينية، عبر دفعها إلى التفكير في كيفية صدّ الاجتياحات بدلاً من التخطيط لعمليات هجومية. وإلى جانب الثمن المباشر الذي دفعه العدو، كانت ثمّة تكلفة أمنية غير مباشرة تَحمّلها، تمثّلت في تخصيص سرايا وفصائل مدرّعة لحماية المستوطنين، فضلاً عن مرافقتهم بالدبابات والجيبات العسكرية حين التنقّل خشية استهدافهم، ليبلغ عديد جنود الاحتلال في المستوطنات أكثر من 3 آلاف جندي.

على إثر كلّ ذلك، وبعد 5 سنوات من انتفاضة الأقصى الثانية، اضطرّ العدو للبدء في تنفيذ خطّة انسحاب أحادي الجانب من غزة، أقرّها رئيس الوزراء آنذاك، أريئيل شارون، وذلك بدءاً من 15 آب 2005، وصولاً إلى 12 أيلول من العام نفسه، حيث انسحب آخر جندي من القطاع، وأُغلقت بوّابة السياج الحدودي، في مشهد لخّص حالة الهروب من ضربات المقاومة الفلسطينية، والتي برّرها شارون بالأسباب الأمنية.